261. بَابُ مَا جَاءَ فِي الِاثْنَيْ عَشَرَ وَالنَّصِّ عَلَيْهِمْ (ع)

جاء في هذا الباب عشرون حديثاً لم يُصحِّح الأستاذ البِهْبُودِيّ أي حديث منها. أما المَجْلِسِيّ فاعتبر الحديثين 1 و 2 صحيحَين (!!)، والحديث 4 مُختَلَفاً فيه والحديث 15 حسناً كالصحيح والسند الأول للحديث 8 مُرْسَلاً وسنده الثاني مجهولاً، والحديث 18 مرفوعاً والأحاديث 6 و 7 و 10 و 14 و 20 مجهولةً، واعتبر بقية أحاديث الباب ضعيفةً.

اعلم أن الكُلَيْنِيّ أراد في هذا الباب أن يُثبت أن إمامة الاثني عشر إماماً كانت معلومةً ومعينةً منذ صدر الإسلام. هذا بصرف النظر عن أن بعض أحاديثه يفيد وجود ثلاثة عشر إماماً!!

قبل دراسة أحاديث هذا الباب من الضروري أن نذكّر أنه لما لم يكن هناك نصٌّ شرعيٌّ موثوقٌ ومُعتَبَرٌ على إمامة الأئِمَّة الاثني عشر، وأنه بعد وفاة كل واحد من الأئِمَّة كانت تقع اختلافات كثيرة بين شيعتهم تؤدي إلى انشقاقات وانشعابات عديدة بينهم، لذا فقد واجه الشيعة معضلةً كبيرةً وسؤالاً محيّراً مفاده: لماذا لم يشر القرآن الكريم أدنى إشارة إلى موضوعٍ أساسيٍّ على هذا القَدْر من الأهمية، يُعَدُّ - كما يقول أصحابه - أصلاً أساسياً من أصول الدين تعتمد عليه هداية الأمّة؟! ولماذا لم يعرّف القرآن أولئك الاثني عشر شخصاً كما عرّفنا بسائر أصول الدين على نحو واضح صريح قاطع تقوم به الحجة على الناس؟!

لقد لفّق متكلّمو الشيعة - لخداع الناس - حججاً وأعذاراً واهيةً من جملتها أنهم قالوا: كما لم يُذكَر عدد ركعات صلاة الصبح في كتاب الله كذلك لم تُذكَر أسماء الأئِمَّة وعلاماتهم في القرآن!

لكن ما تشبّثوا به قياسٌ مع الفارق واضحُ البطلان. فعدد ركعات الصلاة بل الصلاة ذاتها من فروع الدين، أما مسألة الإمامة فهي - حسب قولكم - من أصول الدين، فإن كان لا يُتَوَقَّع من القرآن الكريم بيان الفروع فالمتوقَّع منه قطعاً بيان أصول الدين بشكل واضح([1]).

وقام فريق آخر لحل هذا الإشكال الكبير وللتعويض عن النقص في النص على هذا الموضوع بوضع الأحاديث التي جمعها الكُلَيْنِيّ في كتابه ومن جملة ذلك الأحاديث التي جمعها في الباب 183 هذا. ومن جملة الموضوعات أحاديث اللوح الذي لا بد أن ننتبه إليه ونفحصه بدقة:

أولاً: لو كانت لأحاديث هذا الباب (أي أحاديث اللوح) حقيقة لما كان هناك من حاجة لطرح مسألة «البداء»، وذلك لأنه إذا تم التعريف بالأئمة والإعلان عن أسمائهم منذ صدر الإسلام - كما تدّعي أحاديث اللوح - لما حصل بأي حال من الأحوال الإعلان عن إمامة إسماعيل (ابن حضرة الصادق) قبل موسى ولا الإعلان عن إمامة محمد (ابن حضرة الهادي) قبل الحسن.

ثانياً: هذه الأخبار لا تَتَّفق مع أحاديث الأبواب السابقة ومن جملتها الحديث الأول من الباب 118 الذي لم يكن أبو بصير مطّلعاً فيه على حديث لوح جابر ونظائره والذي قال الإمام فيه أيضاً إن إمامة كل إمام تنزل بعد الإمام الذي قبله ولم يقل إن الأئِمَّة قد تم تعيينهم ونصبهم سابقاً في الشرع - بواسطة لوح جابر وأمثاله -. أو الحديث الخامس من الباب 128 الذي ذكر أن حفيد حضرة السجاد (ع) لم يكن يعرف الإمام بعد حضرة الصادق (ع)، كما لم يشر الإمام فيه إلى حديث لوح جابر! أو الحديث السابع من الباب 128 الذي عرّف فيه الإمام الصادق حفيدَ حفيدِ حضرة عليٍّ (ع) بابنِهِ موسى فقط ولم يشر أي إشارة إلى حديث اللوح وقال: إن لم تعرف إمام زمانك فقُلْ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَتَوَلَّى مَنْ بَقِيَ مِنْ حُجَجِكَ مِنْ وُلْدِ الْإِمَامِ الْمَاضِي فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِيكَ إِنْ شَاءَ اللهُ"، ولم يقل له: هناك بعدي خمسةُ أئمَّة أسماؤهم فلان وفلان وفلان..... والإمام السادس سوف يغيب.

في الحديثين الثامن والتاسع من الباب المذكور أعلاه نُلاحظ أن «منصور بن حازم» و «فيض بن مختار» وأصحابه ليس لديهم أي علم عن حديث اللوح. كما أنه من الضروري مُراجعة ما ذكرناه في دراستنا ونقدنا للحديث السابع من الباب 138 تحت عنوان: "تذكير حول الحديث السابع" (ص 693حتى 698).

ويدل الحديث الرابع عشر من الباب 129 أيضاً - كما قلنا في حاشية كتاب «شاهراه اتحاد» [طريق الاتحاد] (ص 169)- على أن حضرة الكاظم (ع) لم يكن يعلم الأئمة الذين سيكونون بعده وإلا لَمَا قَالَ: لقد أُخبرت بإمامة حضرة الرضا (ع) في الرؤيا، وَلَمَا قَالَ: "وَكَذَلِكَ لَا يُوصَى إِلَى أَحَدٍ مِنَّا حَتَّى يَأْتِيَ بِخَبَرِهِ رَسُولُ اللهِ‏ o وَجَدِّي عَلِيٌّ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ! ".

ويدل الحديث السابع من باب الكفر([2]) أن «زرارة» لم يكن يعرف حضرة الباقر (ع) جيداً وكان يظن أن الإمام الباقر لا يتمتع بعلم البحث والمناظرة ثم أدرك فيما بعد خطأه. ولو كانت لهذه المسألة حقيقة وكان الأئمة الاثني عشر وآباؤهم قد تم التعريف بهم للمسلمين من قَبْل، كان لا بُدّ أن يصل خبر ذلك لأمثال «زرارة» على الأقل، وَلَعَلِمَ أن حضرة أبي جعفر محمد بن علي (ع) إمامُ الأمة ومنصوصٌ عليه مِنْ قِبَلِ الشارع وأعلمُ أهل زمانه. وهناك أمثلة أخرى لهذه الأحاديث.

وبعد أن يُصرّح الأستاذ البِهْبُودِيّ بأن أصحاب الأئمة لم يكونوا يعرفون الإمام التالي لإمامهم الحالي وأنه لهذا السبب كانوا يلتمسون من كلَّ إمام أن يُعَرِّفَهم الإمامَ القائمَ من بعده ([3])، يقول:

"ولذلك.... كُلَّما مضى إمام من أئمَّة العترة الطاهرة، اختلفت الشيعة في الإمام القائم من بعده: لا يدرون بِمَن يأتمُّون وإلى ماذا يرجِعُونَ؟ مع أن فيهم كبارَ الفقهاء والمتكلِّمين وحُفَّاظَ الحديث وأمناءَ الدين، ولو كانت عندهم وفي مُتناولهم هذه النصوص الكثيرة التي نُرَوَّاها من عهد الغيبة الصغرى وقبله بقليل، لما آل بهم الأمر إلى هذه التفرقة الفاضحة والقول بالأهواء الباطلة"([4]).

ثم قال الأستاذ البِهْبُودِيّ في موضع آخر:

"الأحاديث المروِيَّة في النصوص على الأئمة [الاثني عشر] جملةً، من خبر اللوح وغيره، -كُلُّها - مصنوعةٌ في عهد الغَيْبة والحَيْرة وقبلها بقليل، فلو كانت هذه النصوص المتوفِّرَة موجودةٌ عند الشيعة الإمامية لما اختلفوا في معرفة الأئِمَّة الطاهرة هذا الاختلاف الفاضِح، ولما وقعت الحيرة لأساطين المذهب وأركان الحديث سنوات عديدة، وكانوا في غِنىً عن أن يتسرَّعوا في تأليف الكُتُب لإثبات الغَيْبة وكشف الحيرة عن قلوب الأمَّة، بهذه الكثرة"([5]).

لا يخفى أن الأخ المجاهد جناب الأستاذ «قلمداران» رحمه الله أورد أحاديث هذا الباب في كتابه القيم «شَاهْرَاه اتِّحَاد» [طَرِيق الاتِّحاد]، (فصل: نظرةٌ إلى أحاديث النص ومدى صحتها. وفصل: لم يكن الأئمة مُطَّلعون على هذه النصوص) وقام بتمحيصها ونقدها نقداً علمياً. إن مطالعة الفصلين المذكورين ضرورية لمعرفة ميزان صحة أحاديث هذا الباب، ونحن هنا سنواصل منهجه وسنذكر بعض الأمور المُتعلِّقة بأحاديث هذا الباب باختصار:

ß الحديثان 1 و2 - رواهما «أبو هَاشِمٍ دَاوُدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْجَعْفَرِيُّ» الذي تعرَّفنا عليه سابقاً (ص 120فما بعد، و 672-673) ورأينا أن أحاديثه مُتعارضةٌ يناقض بعضها الآخر. وذكرنا في حواشي كتاب «شَاهْرَاه اتِّحَاد» [طَرِيق الاتِّحاد]، في الحديث العاشر من الباب 132، أن الحديث يدلُّ على أن «أبي هاشم الجعفري» لم يكن يعرف الإمام بعد حضرة الهادي (ع)، ولكن في الحديثين الأول والثاني من هذا الباب 183 جاء عنه أنه سمع من طريق الإمام الجواد (ع) قول الخَضِر حول الأئمة الاثني عشر!!

والراوي الثاني للحديثين هو «أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَرْقِيُّ» الذي عرَّفنا به سابقاً (ص 130-131) ويقول علماء الرجال: إن أكثر رواياته وأحاديثه مُرْسَلةٌ أو منقولةٌ عن الضعفاء. وقال الأستاذ البِهْبُودِيّ بشأنه:

"ولكنَّ الخَطْبَ في أخذه بالوجادة والإجازة من دون تمييزٍ بين صحيح النسخ ومدسوسها. فبعد ما نراه يروي ويحدِّث عن الغُلة والزنادقة جهاراً دون تحرُّج، كيف نثق به فيما كان يروي عن الثقات الأثبات بأنه لم يأخذ عن كتبهم إلا بعد التحرُّز التام عن مكائد الغُلاة ودسائسهم.

وإنِّي بعد ما تتبَّعْتُ رواياته، وجدتُه يروي عن  النسخ المجعولة الموضوعة على الثقات الأثبات كثيراً، ومنها ما كان يرويها عن «دَاوُدَ بْنِ الْقَاسِمِ الْجَعْفَرِيِّ أَبِي هَاشِمٍ» عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الجَوَادِ في النصِّ على الأئِمَّة الاثني عشر و وقوع الغيبة بالإمام الثاني عشر من لسان «الْخَضِرِ» عليه السلام. أخرجه الشيخ الصدوق في كتابه «علل الشرايع» ج 1 ص 90، و في «عيون أخبار الرضا» ج1 ص 65، وأخرجه الكُلَيْنِيّ في «الكافي» ج 1 ص 525، وألفاظ الحديث يُشْبِه بتُرَّهَاتِ القصَّاصِينَ([6])، وخصوصاً في أجوبة المسائل الثلاثة: إِذَا نَامَ الرَّجُلِ أَيْنَ تَذْهَبُ رُوحُهُ؟ وَعَنِ الرَّجُلِ كَيْفَ يَذْكُرُ وَيَنْسَى؟ وَعَنِ الرَّجُلِ كَيْفَ يُشْبِهُ وَلَدُهُ الْأَعْمَامَ وَالْأَخْوَالَ؟  مع أن الحديث بعينه مَرْوِيٌّ في تفسير [عليّ بن إبراهيم] القُمِّيّ ص 405 و 507، عن «دَاوُدَ بْنِ الْقَاسِمِ الْجَعْفَرِيِّ» عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الجَوَادِ، وأجوبة المسائل تختلف مع ما ذكره الصدوق والكُلَيْنِيّ اختلافاً فاحشاً وهو دليل الفساد [أي فساد الرواية وأنها غير قابلة للاعتماد عليها] .....

ومما يشهد لذلك مُقَاوَلَةٌ جرت بين يحيى بن محمد العطَّار، وشيخه محمد بن الحسن الصفَّار، على ما ذكره الكُلَيْنِيّ بعد تمام الحديث قال: .......

وهذه المُقَاوَلَةُ: وإن كانت بمعزلٍ عن إثبات الحديث وصحَّته، ولكنَّها تُفيدُنا إن الأصحاب كانوا متسالمين على ضعف الرجل وعدم الاحتجاج بحديثه، حتى أن شيخنا أبا جعفر الصفّار مع كونه متساهلاً في أمر الحديث بنفسه، لا يدَّعي أن البرقيَّ ثقةٌ صالحٌ لأن نحتجَّ بحديثه"([7]).

ومتن الحديث أيضاً يتعارض مع الحديث الأول من الباب 63 من «الكافي» الذي يقول: إن كان هناك إِمَامَانِ كان أَحَدُهُمَا صَامِتاً، كما يتعارض مع أحاديث الباب 115 التي تقول: إن الإمام التالي ينال علوم الإمامة وشؤونها في آخر لحظات حياة الإمام السابق. وذلك لأننا نقرأ هنا في هذا الحديث الذي نحن فيه أن الإمام الحسن (ع) لم يكن صامتاً زمن إمامة أبيه بل في زمن حياة سلمان - الذي توفي سنة 35 هجرية- أي على الأقل قبل خمس سنوات من شهادة عَلِيٍّ (ع) انتقلت إليه علوم الإمامة!  ثم إنه طبقاً لما ورد في هذا الحديث كان ينبغي  أن يحدث هذا الأمر في أوائل خلافة حضرة عَلِيٍّ مع أنه ليس لدينا أي دليل تاريخيٍّ على أن علياً (ع) ذهب في أوائل خلافته برفقة ابنه الحسن المجتبى (ع) إلى مكة.

وللأسف لم يكن الكُلَيْنِيّ يهتم أو ينتبه إلى اختلاف الأحاديث التي يرويها وتعارضها.

ß الحديث 3 - مشهور بحديث لوح جابر وقد ذكره كثير من العلماء من جملتهم الصدوق في «كمال الدين» و «عيون أخبار الرضا»، والشيخ الحر العاملي في «إثبات الهداة» وفي سائر كتبه. وقبل أن ندرس متن الحديث نُعرِّف بأحد رواته:

إذا صرفنا النظر عن «محمد بن عبد الله» المجهول فإن أحد رواة هذا الحديث هو «أبو الخير صَالِحُ بْنُ أَبِي حَمَّادٍ الرازيّ» وهو رجل ضعيف الرواية ومجروح. عدَّه المرحوم الغضائري ضعيفاً واعتبر النجاشيُّ أمره مَجْهُولاً لأنه يروي أخباراً مُنكرةً وأخباراً حسنةً. وتدلُّ رواياته على ضعفه ومن جملتها حديث لوح جابر هذا أو الحديث 303 من «روضة الكافي» الذي روى في عن رجل خَطَّابيٍّ([8]) ضعيفٍ وفاسدٍ العقيدةٍ باسم «المُفضَّل بْنِ عُمَرَ» قوله: 

"كُنْتُ أَنَا وَالْقَاسِمُ شَرِيكِي وَنَجْمُ بْنُ حَطِيمٍ وَصَالِحُ بْنُ سَهْلٍ بِالْمَدِينَةِ فَتَنَاظَرْنَا فِي‏ الرُّبُوبِيَّةِ [أي بأن الأئِمَّة أربابٌ!!!] قَالَ فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: مَا تَصْنَعُونَ بِهَذَا نَحْنُ بِالْقُرْبِ مِنْهُ وَلَيْسَ مِنَّا فِي تَقِيَّةٍ، قُومُوا بِنَا إِلَيْهِ، قَالَ: فَقُمْنَا فَوَاللهِ مَا بَلَغْنَا الْبَابَ إِلَّا وَقَدْ خَرَجَ عَلَيْنَا بِلَا حِذَاءٍ وَلَا رِدَاءٍ قَدْ قَامَ كُلُّ شَعْرَةٍ مِنْ رَأْسِهِ مِنْهُ وَهُوَ يَقُولُ: لَا لَا يَا مُفَضَّلُ! وَيَا قَاسِمُ! وَيَا نَجْمُ! لَا لَا، ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ. لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء/26-27]".

أولاً: أراد الراوي أن يُثبت علم الإمام بالغيب وأنه اطَّلع على الحديث الذي كان يدور بينهم. وهذا ادِّعاء مخالف للقرآن.

ثانياً: لا علاقة للآية المذكورة بالأئمة بل الآية - كما جاء عن حضرة أمير المؤمنين علي u في الخطبة 91 من نهج البلاغة - تتعلق بأوصاف الملائكة، ومن اليقين والمقطوع به أن حضرة الإمام الصادق u كان يعرف ذلك تمام المعرفة.

ونموذج آخر لأحاديث «صَالِحُ بْنُ أَبِي حَمَّادٍ الرازيّ» الحديث 305 من «روضة الكافي» الذي نقلناه سابقاً([9]). مثل هذا الشخص روى حديث اللوح عن «بَكْرِ بْنِ صَالِحٍ» الذي عرَّفنا به أيضاً سابقاً. (ص 104 و ص 357- 358 فما بعد). ولكي نُذكِّر القراء الكرام بحاله الوخيمة سنأتي هنا بنموذج من أحاديثه:

روى «بَكْرُ بْنُ صَالِحٍ» عَنْ سُلَيْمَانَ الْجَعْفَرِيِّ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا (ع) قَالَ: "الطَّاوُسُ مَسْخٌ. كَانَ رَجُلًا جَمِيلًا فَكَابَرَ امْرَأَةَ رَجُلٍ مُؤْمِنٍ تُحِبُّهُ فَوَقَعَ بِهَا ثُمَّ رَاسَلَتْهُ بَعْدُ فَمَسَخَهُمَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ طَاوُسَيْنِ أُنْثَى وَذَكَراً وَلَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَلَا بَيْضُه!!" ([10]).

ونسأل: ألم يكن هناك حيوان أسوأ من هذا حتى يمسخهم الله إليه؟ لماذا لم يمسخهم الله إلى فرس النهر أو إلى الضَبْعِ أو إلى الخَفَّاش وأمثالها من الحيوانات القبيحة؟! ولماذا لم يُشِر حضرة أمير المؤمنين علي u في الخطبة 165 من نهج البلاغة التي ذكر فيها أموراً عديدة عن عجائب خلقة الطاووس أي إشارة إلى هذا الموضوع؟!

وقد روى «بَكْرُ بْنُ صَالِحٍ» حديث اللوح عن «عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَالِمٍ» الذي اعتبره علماء الرجال، ومن جملتهم العلامة الحليّ والممقاني مَجْهُولاً وضعيفاً. فإذا كان الأمر كذلك فكيف يُمكن أن نجعل مثل هذا الحديث أساساً للدين ومستنداً له؟!

ولما كان المُحقِّق المُجاهد المرحوم «قلمداران» قد أورد متن حديث لوح جابر وترجمته في كتابه «شَاهْرَاه اتِّحَاد» [طَرِيق الاتِّحاد]، (ص 173 فما بعد) وبيَّن جميع إشكالاته لذا لن نُكرر هنا ما ذكره هناك، ونوصي القراء بالرجوع إلى الكتاب المذكور، ونكتفي هنا بذكر بعض عيوب هذا الحديث:

1- اعلم أن الشيخ الصدوق روى حديث اللوح في كتابيه: «كمال الدين» و«عيون أخبار الرضا»، على النحو التالي:

"لَمَّا احْتُضِرَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَاقِرُ (ع) عِنْدَ الْوَفَاةِ دَعَا بِابْنِهِ الصَّادِقِ (ع) لِيَعْهَدَ إِلَيْهِ عَهْداً [يعني عهد الإمامة]. فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (رحمه الله) لَوِ امْتَثَلْتَ فِيَّ بِمِثَالِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ - عليْهِما السَّلام- لَرَجَوْتُ أَنْ لَا تَكُونَ أَتَيْتَ مُنْكَراً".

أي كما أن الإمام الحسن أوصى بالإمامة إلى أخيه الإمام الحسين فأوصي أنتِ أيضاً بالإمامة إليَّ. (من هذا يتبيَّن أن جناب زيد بن عليّ لم يكن يعلم من هو الإمام بعد حضرة الباقر! ولو كان لحديث اللوح حقيقةٌ لما كتم الإمام السجاد عن ابنه زيدٍ هذا الخبر. فكيف علم «عبد الرحمن بن سالم» الشخص غير الموثوق والذي لا اعتبار لحديثه بمفاد اللوح بعد مئة وخمسين عاماً من الهجرة أما ابن حضرة السجاد جناب زيد رحمه الله الذي كان من كبار المجاهدين والشهداء لم يكن له أي علم به؟!  فتأمَّل).

ثم بهدف إقناع جناب زيد بن عليّ بأن أمر الإمامة تمّ تعيينه من قبل بأمر الله فهو غير قابل للتغيير، قال حضرة الباقر (ع):

"يَا أَبَا الْحُسَيْنِ! إِنَّ الْأَمَانَاتِ لَيْسَتْ بِالْمِثَالِ وَلَا الْعُهُودُ بِالرُّسُومِ وَإِنَّمَا هِيَ أُمُورٌ سَابِقَةٌ عَنْ حُجَجِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.".

ثُمَّ دَعَا الإمام الباقر (ع) بِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - بهدف تأكيد كلامه وإقناع أخيه زيد- فَقَالَ لَهُ: "يَا جَابِرُ حَدِّثْنَا بِمَا عَايَنْتَ مِنَ الصَّحِيفَةِ؟ فَقَالَ لَهُ جَابِرٌ: نَعَمْ يَا أبَا جَعْفَرٍ دَخَلْتُ إِلَى مَوْلَاتِي‏ فَاطِمَةَ بِنْتِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ J لِأُهَنِّئَهَا بِمَوْلِدِ الْحَسَنِ (ع) فَإِذَا بِيَدِهَا صَحِيفَةٌ بَيْضَاءُ مِنْ دُرَّةٍ فَقُلْتُ يَا سَيِّدَةَ النِّسْوَانِ مَا هَذِهِ الصَّحِيفَةُ الَّتِي أَرَاهَا مَعَكَ قَالَتْ فِيهَا أَسْمَاءُ الْأَئِمَّةِ مِنْ وُلْدِي........ الخ الحديث"

1- قبل كل شيء يجب أن نُذكَّر أن جابر - كما يقول مؤلف «شَاهْرَاه اتِّحَاد» [طَرِيق الاتِّحاد]- كان قد توفي قبل أربعين سنة من وفاة حضرة الباقر الذي توفي ما بين 114 إلى 118 هجرية!!

2- لقد افترى الراوي في هذا الحديث على الله بقوله: " فَمَنْ رَجَا غَيْرَ فَضْلِي أَوْ خَافَ غَيْرَ عَدْلِي عَذَّبْتُهُ عَذَاباً لَا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ!!".

بصرف النظر عن الانتقادات التي تُوجَّه إلى هذه الجملة([11])، وأنه يستحيل صدورها عن الحق تعالى، لنفرض جدلاً أن الله تعالى قال هذه الجملة فعلاً، في هذه الحالة وبما أن قبح العقاب  بلا بيان أمر لا يخفى على أحد - إلا على واضعي هذا الحديث - كان لا بُدّ من إعلان هذا الموضوع على الملأ ولعامة الناس كي يستحق من يتخلف عنه ذلك العذاب والعقاب الشديد لا أن يُجعل ذلك الأمر في رسالة خاصة ويُقال: ينبغي أن لا يطَّلع عليها أحد سوى عدد من الكذابين!!

3- وجاء في هذا الحديث: "إِنِّي لَمْ أَبْعَثْ نَبِيّاً فَأُكْمِلَتْ أَيَّامُهُ وَانْقَضَتْ مُدَّتُهُ إِلَّا جَعَلْتُ لَهُ وَصِيّاً!!".

وهذه الجملة غير صحيحة لأن كثيراً من رسل الله لم يكن لهم أوصياء وذلك مثل حضرة هود ولوط ويونس ويحيى و ......  صلوات الله عليهم أجمعين. 

4- وجاء في الحديث جملة: "وَفَضَّلْتُ وَصِيَّكَ عَلَى الْأَوْصِيَاءِ". وهذه الجملة لا تتفق مع اعتقاد مُتأخري الشيعة بأن الأئمة أعلى شأناً من جميع الأنبياء ما عدا النبيّ الأكرم o، حتى أنهم يعتقدون أن حضرة عيسى (ع) سيُصلِّي خلف الإمام الثاني عشر.

5- وفي الحديث جملة: "وَأَكْرَمْتُكَ بِشِبْلَيْكَ وَسِبْطَيْكَ حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ!!" وهذه الجملة لا تصحُّ لأن رسول الله o كان قد أُكرم بفضل الله وكرمه بالنُّبُّوة قبل أن يكون له بنت أو أحفاد وقد نال أبناؤه وأقرباؤه بواسطته نعمة الهداية العظيمة وأصبحوا عباد الله المُكرَّمين بواسطته، ولم يصل أحد بسبب ابنه إلى كرامة النبوة لأنه عندئذ يكون الولد أولى بالنبوة من أبيه.

6- ومن علامات الكذب في هذا الحديث أنه يقول: "وَجَعَلْتُ حُسَيْناً خَازِنَ وَحْيِي!!" ويقول عن الإمام الرضا (ع): "وَمَنْ أَضَعُ عَلَيْهِ أَعْبَاءَ النُّبُوَّةِ!!" ويقول عن الإمام الهادي (ع): "وَأَمِينِي عَلَى وَحْيِي!!".

نرجو من القارئ أن يُراجع ما ذكرناه في نقدنا لأحاديث الباب 69، ونُذكِّر هنا فقط بأنه أولاً: كلُّ من وُضعت عليه أعباء النُّبُوَّة صار نبياً لا غير، وبعد النبيّ الأكرم o لم تُوضع أعباءُ النُّبُوَّةِ على أي إنسان ولا يوحى لأي شخص والنبيُّ وحده فقط كان أمين الوحي الإلهي بين الناس وكل من ادَّعى أنه يُوحى إليه وأنه خازن وحي الله وأن الله وضع على عاتقه حِمْل النُّبُوَّة هو خارج عن الإسلام كما قلنا (راجعوا الصفحة 378).

ثانياً: قال الله تعالى لرسوله: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأنعام/50] وقال أيضاً: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر/21]. فكما نُلاحظ لقد صرَّح القرآن الكريم أن النبيّ ليس عنده خزائن الله (إذن فالنبيّ ليس خازناً) بل تلك الخزائن عند الله. (فتأمل). فإذا لم يكن النبيّ خازناً فكيف يُمكن أن يكون خليفته خازناً؟! أَفَلَا تَعْقِلُونَ؟

وقد اعتبر حضرة أمير المؤمنين علي u - الذي يدَّعي الكُلَيْنِيّ وأمثاله محبتهم له! - أن الخزائن بيد الله وقال في وصيته للإمام الحسن (ع): "واعْلَمْ أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ والأرْضِ قَدْ أَذِنَ لَكَ فِي الدُّعَاءِ وتَكَفَّلَ لَكَ بِالإجَابَةِ". (نهج البلاغة، الرسالة 31).

أما واضع الحديث الجاهل بالإسلام والقرآن فقد اعتبر الإمام خازن وحي الله وخازن علمه!!

7- وجاء في هذا الحديث: "جَعَلْتُ كَلِمَتِيَ التَّامَّةَ مَعَهُ وَحُجَّتِيَ الْبَالِغَةَ عِنْدَهُ!!".

في حين أنه لو كان المقصود من الكلمة التامَّة والحُجَّة البالغة القرآن فإن القرآن موجودٌ لدى جميع المسلمين ولا ينحصر وجوده لدى أفراد مُعيَّنين، وإن كان مقصوده حُجَّةً أخرى ففي هذه الحالة كان يجب على الله الرحيم بعباده أن يُبيِّنها للناس، فكيف تتم حُجَّته على الناس عن شيء لم يُبيِّنه لهم؟ هذا رغم أن واضع هذا الحديث لم يكن يعلم أو كان يتجاهل أن الله نفى في القرآن أي حُجَّة بعد الأنبياء (سورة النساء/ 165).

8- ويقول الحديث: "بِعِتْرَتِهِ أُثِيبُ وَأُعَاقِبُ!!" وهذا الكلام باطل ومعارض لكتاب الله لأن القرآن قال: إن الثواب والعقاب يكونان بالإيمان والعمل الصالح. قال تعالى: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الجاثية/22]. ولم يقل الله إن الثواب والعقاب بالعترة بل لم تأتِ كلمة «العترة» في القرآن أصلاً. ولو كان الثواب والعقاب مرتبطان بالعترة للزم أن يُبيِّن القرآن ذلك. ثم إذا كان الأمر كما جاء في تلك الجملة، فما هو ثواب العترة أنفسهم وعقابهم؟

9- وجاء في الحديث في وصف الإمام الباقر (ع): "وَابْنُهُ شِبْهُ جَدِّهِ الْمَحْمُودِ" في حين أنه لما كانت الرسالةُ خطاباً للنبيّ نفسه كان من الواجب أن يقول: «ابنك شبهك»، وكلمة «جده» مخالفة للعرف والبلاغة([12]).

10- وجاء في الحديث حول مدفن الإمام الرضا: "يُدْفَنُ فِي الْمَدِينَةِ الَّتِي بَنَاهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ" ويقصد بالعبد الصالح ذي القرنين! والمشهور أن ذا القرنين بنى مدينة هرات. والكلُّ يعلمُ أن الإمام الرضا (ع) لم يُدفن في هرات بل دُفن في منزل «حميد بن قحطبة» الذي يقع على بعد أربعة فراسخ من مدينة طوس وهذه المدينة تبعد بمسافة كبيرة عن مدينة هرات!

11- والدليل الآخر على كذب هذا الحديث أنه يُفيدُ أنَّ اللهَ اتَّقى [أي عمل بالتَّقِيَّة!) من أمين الوحي ورسوله وبيَّن اسم الإمام الثاني عشر بصورة الرمز: «م ح م د»؟!! فهل يُمكن لِـلَّهِ تعالى أن يتَّقي حتى في رسالةٍ خاصَّةٍ يُرسلها إلى رسوله؟!

12- وفي هذا الحديث يُقسم جابر بشكل متكرر أمام حضرات الصادِقَين -عليهما السلام- ويُشهد الله على صحَّة كلامه. فليت شعري! هل كان الإمام يشك في كلامه حتى كان يُكرر القسم؟ ولِـلَّهِ دَرُّ من قال: من علامات الكذب الحلف بلا سبب!

13- وجاء في الحديث حول الإمام الصادق u: "الرَّادُّ عَلَيْهِ كَالرَّادِّ عَلَيَّ!" وجاء بشأن الإمام الجواد: "لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ بِهِ إِلَّا جَعَلْتُ الْجَنَّةَ مَثْوَاهُ!" (إذن من لم يؤمن به فمصيره النار!).

ونقول: إذا كان الأمر كذلك فينبغي أن نسأل: هل الإيمان بالإمام أصل من أصول الدين لا بُدَّ من الإيمان به؟ فإذا كان الإمام والإمامة من أصول الدين فلماذا لم يأتِ لها أيُّ ذِكْرٍ في القرآن؟! في حين أن القرآن تكفَّل ببيان أصول الدين وأصول الإيمان جميعها. فلو كان الإيمان بالإمام ضرورياً للسعادة الأخروية لذكره الله يقيناً على الأقل مرَّةً واحدةً في القرآن ولقال مثلاً: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ (وأئمّته) وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) ولكنه لم يقل ذلك.

إضافةً إلى ذلك فإنه من الواضح أن العلاقة بين «الراد على الرسول» و «الراد على الله» ليست علاقة مساواة بل علاقة عموم وخصوص مطلق فكم من رادٍّ على الرسول ليس رادَّاً على الله مثل أهل الكتاب. ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام/144] (فتأمَّل دون العصبيَّة).

ولهذا السبب نقول: إن واضع الحديث الموضوع في كتاب «غاية المرام»([13]) كان أكثر دقة من واضع هذا الحديث الذي نناقشه هنا وأبرع في وضع الحديث، لأنه روى عن النبيّ هنا أنه قال بدلاً من ذكر اسم الله: "الرادُّ عليه كالرادِّ عليَّ".

14- وجاء في الحديث حول الإمام الجواد: "وَشَفَّعْتُهُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ كُلُّهُمْ قَدِ اسْتَوْجَبُوا النَّارَ!!"

وبصرف النظر عن أن هذه الجملة لا تتفق مع حديث آخر([14]) ذكر أن الإمام يشفع لجميع الشيعة، فإنها لا تتفق أيضاً مع القرآن الكريم. ونسأل: هل لأحد الحق في أن يشفع لأشخاص استحقوا عذاب النار؟ إذن لماذا قال تعالى لرسوله: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر/19]. ولماذا قال تعالى بشأن زوجة نوح (ع) وزوجة لوط (ع): ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [التحريم/10]، ولماذا لم يقبلِ اللهُ تعالى شفاعةَ حضرة نوح (ع) لابنه بل قال تعالى عن ابن نوح: ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود/43]؟

15- وفي خاتمة الحديث قال أبو بصير لعبد الرحمن بن سالم: "لَوْ لَمْ تَسْمَعْ فِي دَهْرِكَ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ لَكَفَاكَ، فَصُنْهُ إِلَّا عَنْ أَهْلِهِ!"

ونسأل: فلماذا وصل إذن هذا الخبر المفيد(!!) لأشخاص ضعفاء في الرواية من أمثال «بكر بن صالح» و«صالح بن أبي حماد»؟! أليس المسلمون الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر وبالنبيّo ولا يغلون في حقِّ أئمَّة الدين اتِّباعاً لأمر الشرع ويقرؤون القرآن ويقيمون الصلاة ولا يقبلون كلاماً دون دليل عليه أهلاً لسماع هذا الخبر؟ أم أن أشخاصاً منحرفين مثل «ابن سالم» و «ابن صالح» و «ابن أبي حماد» وأمثالهم هم فقط  أهلٌ لذلك؟!

إذا كان هذا الحديث من حقائق الشريعة وكان يُثْبِتُ أصلاً من أصول الدين، فلماذا ينبغي أن يُصان عن الناس وتُحْرَم الأمّة من معرفته ولا يعلمه إلا الرواة الضعفاء؟!

ثم إن الله تعالى بيّن لنا أن كل مؤمن يمكنه أن يدعو ربَّه قائلاً: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان/74].

16 - كان «أبو بصير» - الذي رُوِي عنه هذا الحديث في النص على الاثني عشر إمام - هو نفسه من المتحيّرين، ولم يكن يعرف الإمام بعد الإمام الباقر (ع)، ولذلك ولكي يعلم هل «جعفر بن محمد» إمام أم لا، امتحنه كي يتأكّد أنه إمام فعلاً! كما روي: "عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ يُعْطِيَنِي مِنْ دَلَالَةِ الْإِمَامَةِ مِثْلَ مَا أَعْطَانِي أَبُو جَعْفَرٍ (ع)، فَلَمَّا دَخَلْتُ وَكُنْتُ جُنُباً قَالَ يَا أبَا مُحَمَّدٍ! مَا كَانَ لَكَ فِيمَا كُنْتَ فِيهِ شُغُلٌ تَدْخُلُ عَلَيَّ وَأَنْتَ جُنُبٌ! فَقُلْتُ: مَا عَمِلْتُهُ إِلَّا عَمْداً. قَالَ: وَلَمْ تُؤْمِنْ؟ قُلْتُ: بَلَى، وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي. فَقَالَ: يَا أبَا مُحَمَّدٍ قُمْ فَاغْتَسِلْ، فَقُمْتُ وَاغْتَسَلْتُ وَصِرْتُ إِلَى مَجْلِسِي وَقُلْتُ عِنْدَ ذَلِكَ إِنَّهُ إِمَامٌ"([15]).

ß الحديث 4 - أحد رواته «أبان بن أبي عيّاش» الذي ضعّفه الشيعة والسنّة وقالوا إنه متروك الحديث، كما ذكر الأستاذ البِهْبُودِيّ (معرفة الحديث، ص 99).

يدّعي الحديث أن حضرات الحسَنَيْن عليهما السلام كانا مع عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ الطَّيَّارِ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ وَكان معهم عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَعُمَرُ ابْنُ أُمِّ سَلَمَةَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَجَرَى بينهم وَبَيْنَ مُعَاوِيَةَ كَلَامٌ".

ونسأل واضع الحديث أين ومتى اجتمع معاوية الذي كانت بيده ولاية الشام منذ زمن عمر مع الحسنين و.....؟! لعله كان اجتماع توقيع معاهدة الصلح بين الإمام الحسن (ع) ومعاوية! والمثير للغاية أن «ابن عباس» الذي لم يكن يعتبر علياً (ع) وأبناءه منصوبين من عند الله أيّد قول عبد الله بن جعفر!

ß الحديثان 5 و 8 - يقول المَجْلِسِيّ عن الحديث الخامس إن «حنان بن سرّاج» تصحيفٌ لـ «حيّان السرّاج». وكان حيّان و«أبو الطفيل عامر بن واثلة» كلاهما كيسانِيَّيْ المذهب!!

ونسأل: إن كان هذا صحيحاً فلماذا اختارا مذهب الكيسانية؟! لاحظوا عن أي أشخاص أتَوا بالنص على إمامة الأئِمَّة الاثني عشر! والراوي الآخر في سند الحديث «داود بن سليمان الكيسائي» وهو مهمل ومجهول أيضاً.

ومن المثير للانتباه أن واضح الحديث قال عن أمير المؤمنين علي u: "يَا هَارُونِيُّ! يَعِيشُ [الوصي] بَعْدَهُ [أي بعد النبي] ثَلَاثِينَ سَنَةً لَا يَزِيدُ يَوْماً وَلَا يَنْقُصُ يَوْماً ثُمَّ يُضْرَبُ ضَرْبَةً هَاهُنَا يَعْنِي عَلَى قَرْنِهِ فَتُخْضَبُ هَذِهِ مِنْ هَذَا".

في حين أنّ الإمام علِيَّاً (ع) -حسب قول المَجْلِسِيّ- استُشْهِد بعد 29 سنة و 7 أشهر من رحيل النبي J!

كما أن بيان الحديث غير متين وغير مفيد للمقصود لأنه يقول: "يَا هَارُونِيُّ! إِنَّ لِمُحَمَّدٍ اثْنَيْ عَشَرَ إِمَامَ عَدْلٍ لَا يَضُرُّهُمْ خِذْلَانُ مَنْ خَذَلَهُمْ"!

هذا في حين أنّه لم يكن للرسول الأكرم J إمامٌ بل هو إمام الأئمَّة وكان الواجب أن يقول: "إن بعد مُحَمَّدٍ اثْنَيْ عَشَرَ إِمَامَ عَدْلٍ.....".

والحديث الثامن بصرف النظر عن أنه مُرْسَلٌ، فإن اثنين من رواته يعني «أبو هارون العبدي» و «محمد بن الحسين» مهملان ومجهولان. ثم نسأل: من أين فهم اليهودي أن أجوبة عليٍّ (ع) عن الأسئلة 4 و 5 و 6 كان صحيحةً أم لا؟ هل كان يعلم بنفسه الأجوبة الصحيحة سابقاً؟ إن كان يعلم فمن أين علم؟ والمثير للغاية أن اليهودي لم يسأل السؤال السابع. والرواية ساكتة عن إسلام اليهودي! ليت شعري! هل يُسَمَّى هذا حديثاً؟!

ß الحديث 6 - راويه الثاني «عَمْرو بنُ ثابت» قال عنه علماء الرجال - ومنهم القهپائي - إنه ضعيف ولا يُعتَمَد على حديثه، وراويه الثالث «أبو سعيد العصفوري» وراويه الرابع «محمد بن الحسين» كلاهما مجهول الحال! أي أن الحديث رواية مجهول عن مجهول عن ضعيف!! متن الحديث أيضاً مخالف للقرآن والعقل لأنه يقول: "إِنَّ اللهَ‏ خَلَقَ مُحَمَّداً وَعَلِيّاً وَأَحَدَ عَشَرَ مِنْ وُلْدِهِ مِنْ نُورِ عَظَمَتِهِ"! في حين أن القرآن يقول إن جميع البشر ومنهم الأنبياء بمن فيهم الرسول‌الأكرم J خُلِقوا كما خُلِق سائر البشر من نطفة أمشاج أي خليط بين نطفة الأم والأب، ما عدا آدم (ع) وزوجه وحضرة عيسى (ع) بالطبع. علاوة على ذلك فإنَّ الله تعالى قال لنبيّه: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ.....﴾  [القصص/86]، في حين أنه لو كانت روح النبي وشبحه خُلِقا قبل أي شيء آخر وكان النبي مشغولاً بتسبيح الله وتقديسه فلماذا لم يكن يعلم في زمن حياته الجسمية ما الكتاب ولا الإيمان (الشورى/52، والقصص/86) ولماذا لم يكن يرجو أن يُلقى إليه الكتاب؟ إن القرآن الكريم قال إن النبي الأكرم J لم يكن بدعاً من الرسل فكما أنّ بقية الرسل لم يُخْلَقوا قبل خلق المخلوقات فكذلك النبي J ليس استثناءً من ذلك.

ß الحديث 7 - هو كما علمنا حديث مجهول ولا اعتبار له. أضف إلى ذلك أنّه ذكر أن اسم الأخ غير الشقيق لحضرة السجاد (ع) هو «علي بن راشد» في حين أنه حسب ما ذكره العلامة الشوشتري (التُّسْتَري) في كتابه «الأخبار الدخيلة»: أولاً: «علي بن راشد» ليس صحيحاً والكُلَيْنِيّ نفسه ذكر في الحديث الثاني من الباب 112 أن اسم الأخ غير الشقيق للإمام السجاد (ع) كان «عبد الله بن زيد».

ثانياً: «عبد الله بن زيد» ليس صحيحاً بل الصحيح «عبد الله بن زبيد».

ثالثاً: لم يكن المذكورُ أخَ الإمام السجاد لأمه بل كان أخاه من الرضاعة! وهذا الحديث ينطبق عليه المثل القائل: «الخسن والخسين ثلاثتهم بنات معاوية»!!

ß الحديث 9 - مرويٌّ عن أبي الجارود الذي تبرّأ منه الإمام الباقر (ع) والإمام الصادق (ع)، حسب ما ذكره الأستاذ الشيخ هاشم معروف الحسني، كما أنه تُنْسَب إليه فرقة «السرحوبية»!([16]). لاحظوا عن أي أشخاص يروي لنا الكُلَيْنِيّ النص على الاثني عشر إماماً!!

والمثير أنّ هذا الحديث يروي "عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى فَاطِمَةَ (ع) وَبَيْنَ يَدَيْهَا لَوْحٌ فِيهِ أَسْمَاءُ الْأَوْصِيَاءِ مِنْ وُلْدِهَا فَعَدَدْتُ اثْنَيْ عَشَرَ آخِرُهُمُ الْقَائِمُ (ع) ثَلَاثَةٌ مِنْهُمْ مُحَمَّدٌ وَثَلَاثَةٌ مِنْهُمْ عَلِيٌّ"!!

هذا في حين أنّ «عليّ» اسم أربعة من الأئِمَّة. وكالعادة عزا الشُّرّاح هذا الخطأ إلى النُّسّاخ، مستدلِّين بمجيء الحديث نفسه في كُتُب الشيخ الصدوق وفي كتاب «الغيبة» للشيخ الطوسي بلفظ "وَأَرْبَعَةٌ مِنْهُمْ عَلِيٌّ (ع)".

يقول كاتب السطور: ليس من المستبعَد أن يكون الشيخ الصدوق قد انتبه إلى ذلك الخطأ فقام بتصحيحه بنفسه.

ß الحديث 10 - سنده في غاية الضعف. وقد تعرَّفنا على «مُحَمَّدِ بْنِ الفُضَيْل» (راجعوا الصفحة ص  296- 297)، وعلى «مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ» (راجعوا ص 207).  

ß الأحاديث 11 و12 و13 - تكلَّمنا سابقاً عن الحديث 11 (ص 82) فَلْيُرَاجَعْ ثَمَّةَ. وهذه الأحاديث الثلاثة من مرويات «الْحَسَنِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْحَرِيشِ» الذي عرَّفنا به سابقاً (راجعوا ص 564). يقول الحديث 13 "إنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (ع) قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ يَوْماً ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران/169]، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً J رَسُولُ اللهِ مَاتَ شَهِيداً وَاللهِ لَيَأْتِيَنَّكَ فَأَيْقِنْ إِذَا جَاءَكَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ غَيْرُ مُتَخَيِّلٍ بِهِ فَأَخَذَ عَلِيٌّ بِيَدِ أَبِي بَكْرٍ فَأَرَاهُ النَّبِيَّ J، فَقَالَ لَهُ [النَّبِيُّ]: يَا أَبَا بَكْرٍ! آمِنْ بِعَلِيٍّ وَبِأَحَدَ عَشَرَ مِنْ وُلْدِهِ إِنَّهُمْ مِثْلِي إِلَّا النُّبُوَّةَ وَتُبْ إِلَى اللهِ مِمَّا فِي يَدِكَ فَإِنَّهُ لَا حَقَّ لَكَ فِيهِ قَالَ ثُمَّ ذَهَبَ فَلَمْ يُرَ!!".

ونقول: من المقطوع به أنَّ عَلِيَّاً (ع) كان يعلم معنى الآية المذكورة أفضل من الآخرين ولا شك أنه لا يُمكن أن يقول مثل ذلك الكلام، لكن واضع الحديث الجاهل لم يفهم الآية وافترى على الإمام. إن الآية الكريمة لم تقل عن الشهداء إنهم أَحْيَاءٌ في الأَرْضِ يُرْزَقُون! بل قالت: أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون. وفي لسان القرآن لا يُقال لمن هم في الدنيا «عند ربِّهم»، كما أن معنى أنهم يُرزقون عند ربِّهم أن هذا الرزق في غير الدنيا. بناءً عليه فإن عودة النَّبِيِّ إلى الدنيا أو إلى الأرض كذبٌ قطعاً.

ثانياً: لماذا لم يُظهر عَلِيٌّ رسولَ الله o لسائر أفراد الأمة كي لا يضل الذين كانوا يطمعون في الخلافة وكي لا تقع الفرقة في الأمة وتتم الحُجَّة على الجميع ولا تبقى أي شبهة لأحد. ثم هل عَلِيٌّ مُحيي الأموات؟!!

ثالثاً: لماذا بايع عَلِيٌّ (ع) شخصاً لم يكن لديه أي حق في الخلافة - حسب ما جاء في هذا الحديث - ولم يلقِ بالاً لأمر النبيّ بترك الخلافة، وأثنى على غاصبي الخلافة؟! (راجعوا ما ذكرناه في هذا الكتاب في الصفحات 148و424 و438).

ß الحديث 14 - من رواته «علي بن سماعة» المُهْمَل. و«الحسن» أو «الحسين بن عبيد الله» الغالي. وقد اعتبر الأستاذ هاشم معروف الحسني أيضاً هذا الحديث باطلاً.

ß الحديث 15 - راويه «أبو بصير» الذي روى الحديث الثالث من هذا الباب ذاته وهو - كما يقول الأستاذ هاشم معروف الحسني - شخص لا يُعتمد على حديثه.

ß الحديث 16 - سنده في غاية الضعف لوجود «أبان» و «الوشاء» و «معلى بن محمد» فيه([17]).

ß الحديثان 17 و18 - سند الحديثين مشابه لسند الحديث الثامن في هذا الباب. يروي «محمد بن الحسين» المجهول حديثاً عن مجهول آخر يُدعى «أبو سعيد العصفوري» وهو يروي عن ضعيف اسمه «عمرو بن ثابت» وهو عن «أبي الجارود» المطعون به والملعون على لسان الأئمة!! 

هل مثل هذا يُسمَّى حديثاً؟ وهل هذا يصلح أن يكون سنداً لمذهب؟! وقد ردَّ الأستاذ هاشم معروف الحسني هذين الحديثين أيضاً وعدَّهما فاقدين للاعتبار.

ß الحديث 19 - سنده في غاية الضعف. وقد تعرَّفنا سابقاً على «عبد الله بن عبد الرحمن الأصم» و «محمد بن الحسن بن شمون» و «سهل بن زياد»([18]). وقد تكلمنا على هذا الحديث سابقاً (الصفحة 83-84) ولكننا هنا نلفت نظر القراء إلى أن واضعي هذا الحديث أفسدوا تعبهم في وضع الحديث واختاروا شخصاً غير مناسب لينسبوا حديثهم إليه. وذلك لأن «كَرَّاماً» كان حسب قول الشيخ الطوسي واقفياً خبيثاً! أي أنه لم يكن يعتقد بإمامة الأئمة بعد حضرة الكاظم بل يعتبرهم مُدَّعين كاذبين! ولذلك تعجَّب الممقاني في كتابه «تنقيح المقال» كيف يروي شخصٌ واقفيٌّ حديثَ [النصِّ على] الأئمة الاثني عشر! ولم ينتبه إلى أنه من الممكن جداً أن تكون مثل هذه الأحاديث قد نُسبت إليه زوراً وكذباً.

ونص الحديث أيضاً معيب ومُضطرب لأنه يقول:

"إِنَّهُ لَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنَ (ع) عَجَّتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ عَلَيْهِمَا وَالْمَلَائِكَةُ فَقَالُوا يَا رَبَّنَا ائْذَنْ لَنَا فِي هَلَاكِ الْخَلْقِ...... فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِمْ يَا مَلَائِكَتِي وَيَا سَمَاوَاتِي وَيَا أَرْضِيَ اسْكُنُوا، ثُمَّ كَشَفَ حِجَاباً مِنَ الْحُجُبِ فَإِذَا خَلْفَهُ مُحَمَّدٌ J وَاثْنَا عَشَرَ وَصِيّاً لَهُ (ع)، وَأَخَذَ بِيَدِ فُلَانٍ الْقَائِمِ مِنْ بَيْنِهِمْ فَقَالَ: يَا مَلَائِكَتِي وَيَا سَمَاوَاتِي وَيَا أَرْضِي! بِهَذَا أَنْتَصِرُ لِهَذَا!".

ونسأل: هل بين الله وملائكته أستاراً وحُجُباً؟ هل الله يستتر وراء الأستار والحُجُب؟! وهل لِـلَّهِ يدٌ - نعوذ بالله - حتى يأخذ بها بيد الإمام القائم؟! وهذا الحديث يُشابه الحديث 6 من الباب 173.

ß الحديث 20 - تكلمنا على هذا الحديث سابقاً (راجعوا ص 195-196 من الكتاب الحالي) والمُثير للانتباه أن حديث النص على الاثني عشر إمام يُروى عن «عثمان بن عيسى» الذي كان واقفياً ولا يعتقد بالأئمة بعد حضرة الكاظم!!

علاوةً على ذلك نُذكِّر أن «المُحَدَّث» ليس له أي سند قرآني أو شرعيّ وهي خرافة راجت بين الشيعة. (راجعوا الباب 61 من الكتاب الحالي).

لا يخفى أن أحد فضائح الكافي أنه بغض النظر عن ضعف الأسانيد وسائر الإشكالات الأخرى التي تُشاهَد في متون أحاديث الباب 183، فإن عدداً من أحاديث هذا الباب (الأحاديث 7 و 8 و 9 و14 و17 و18) تدلُّ على أمر مخالف لإجماع الشيعة وهو أن الأئمة بعد رسول الله o ثلاثة عشر!! وإنها لفضيحةٌ كبيرةٌ جداً أن ينقل أوثق المُحدِّثين وأقدمهم عند الشيعة مثل هذه الأحاديث!

يقول الحديثان السابع والرابع عشر عن الإمام الباقر (ع) أنه قال: "الِاثْنَا عَشَرَ الْإِمَامَ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ كُلُّهُمْ مُحَدَّثٌ مِنْ وُلْدِ رَسُولِ اللهِ J وَوُلْدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (ع) فَرَسُولُ اللهِ J وَعَلِيٌّ (ع) هُمَا الْوَالِدَانِ!".

وينسب الحديث الثامن إلى الإمام عَلِيٍّ قوله: "إِنَّ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ اثْنَيْ عَشَرَ إِمَاماً هُدًى مِنْ ذُرِّيَّةِ نَبِيِّهَا وَهُمْ مِنِّي!".

وجاء في الحديث التاسع: "دَخَلْتُ عَلَى فَاطِمَةَ (ع) وَبَيْنَ يَدَيْهَا لَوْحٌ فِيهِ أَسْمَاءُ الْأَوْصِيَاءِ مِنْ وُلْدِهَا فَعَدَدْتُ اثْنَيْ عَشَرَ آخِرُهُمُ الْقَائِمُ (ع) ثَلَاثَةٌ مِنْهُمْ مُحَمَّدٌ وَثَلَاثَةٌ مِنْهُمْ عَلِيٌّ".

وفي الحديث السابع عشر: "قَالَ رَسُولُ اللهِ J إِنِّي وَاثْنَيْ عَشَرَ مِنْ وُلْدِي وَأَنْتَ يَا عَلِيُّ زِرُّ الْأَرْضِ، يَعْنِي أَوْتَادَهَا وَجِبَالَهَا، بِنَا أَوْتَدَ اللهُ الْأَرْضَ أَنْ تَسِيخَ بِأَهْلِهَا فَإِذَا ذَهَبَ الِاثْنَا عَشَرَ مِنْ وُلْدِي سَاخَتِ الْأَرْضُ بِأَهْلِهَا وَلَمْ يُنْظَرُوا".

وفي الحديث الثامن عشر: "قَالَ رَسُولُ اللهِ J مِنْ وُلْدِيَ اثْنَا عَشَرَ نَقِيباً نُجَبَاءُ مُحَدَّثُونَ مُفَهَّمُونَ آخِرُهُمُ الْقَائِمُ ...".

بناءً على هذه الأحاديث فإنَّ عدد الأئِمَّة: سيكون ثلاثة عشر إماماً: أي اثنا عشر شخصاً من أحفاد رسول الله o إضافةً إلى حضرة عَلِيٍّ (ع) الذي ليس من أحفاد النبيّ!!

واعلم أن المُستأكلين بالمذهب المسترزقين به توسلوا بأنواع الحيل لإخفاء هذه الفضيحة التي وقع بها الكُلَيْنِيّ. وسنُبيِّن فيما يلي بعض ما قالوه كي نُنبِّه القراء إليه:

تشبَّث بعض العلماء بخطأ النُسَّاخ وأرادوا أن يُلقُوا باللائمة في هذه الفضيحة على عاتق النُسَّاخ، فادَّعوا أن النُسَّاخ كتبوا سهواً عبارة «اثني عشر» بدلاً من عبارة «أحد عشر»! كما تشبَّثوا أيضاً بادِّعاء أن هذا الحديث جاء في أصل «أبي سعيد العصفري» بلفظ «أحد عشر». وكذلك روى الشيخ الصدوق الحديثَ في «كمال الدين» و«عيون أخبار الرضا» و«من لا يحضره الفقيه» ورواه الشيخ الطوسي في كتاب «الغيبة» بلفظ «أحد عشر»([19]).

ونقول:

1- ينبغي أن ننتبه إلى أن نسخة «الكافي» التي بين أيدينا والمؤلفة من ثمانية مجلدات، قوبلت - كما جاء في الصفحة واحد- على سبع نُسخ موثوقة وقورنت بها وتمَّت الإشارة في حواشي كثير من صفحات هذه النُّسخة إلى اختلاف ألفاظ النُّسّاخ، ولكن في هذا المورد بالخصوص لا نجد أي اختلاف أو تفاوت بين النُّسخ السبع المُشار إليها.

2- كان لدى المَجْلِسِيّ نُسخ متعددة من الكافي، وقد ذكر في كتابه «مرآة العقول» ضمن شرح كثير من الأحاديث، اختلاف النُّسخ، ولكنه في هذا المورد لم يذكر أي اختلاف في النُّسخ.

بناءً على ذلك حتى لو كان ادِّعاؤكم عن أصل «العصفري» صحيحاً فإن مسؤوليَّة هذا الخطأ الفاضح تقع على عاتق الكُلَيْنِيّ لا على عاتق النُّسَّاخ. ثم يجب أن ننتبه إلى أنه لا يوجد أي تشابه بين كلمة «أحد» وهي كلمة غير معجمة (لا نقاط لها) وكلمة «اثني» المُعجمة، حتى يُخطئ النُّسَّاخ بينهما. وليت شعري! ما هذا الاشتباه والخطأ الذي لم يقع فيه إلا نُسَّاخ الكافي ولم يحصل إلا في ألفاظ هذا الأحاديث في هذا الباب، ولم يحصل هذا الخطأ أبداً من قبل النُّسَّاخ المُتعدِّدين لكتب الصدوق والطوسي؟!! ولو كان الخطأ من نُسَّاخ «الكافي» لشوهدت في النُّسخ المختلفة له اختلافات في هذا الأمر على الأقل.     

3- ينبغي أن ننتبه إلى أنه كان هناك فرقة تؤمن بثلاثة عشر إماماً وقد أسس أحد أصحاب الحوانيت المذهبية (المُسترزقين بالمذهب) ويُدعى «أحمد بن هبة الله» (حفيد عثمان بن سعيد العَمري) فرقةً إماميةً ثلاثة عشرية!! كما نجد أحاديث الأئمة الثلاثة عشر في كتاب «سُليم بن قيس» الموضوع من أساسه. إن ما نقصده هو أن مسألة الأئمة الثلاثة عشر لم تكن مسألة بلا خلفية، ويبدو أنه كان هناك جماعة يسعون إلى ترويج مثل هذه العقيدة.

وقال فريق آخر: لم يُخطئ النُّسَّاخ بل الأحاديث المذكورة ليست في مقام بيان الاثني عشر إماماً بل تريد أن تُبيِّن أهمية المعصومين الأربعة عشر ومقامهم الرفيع!! فمثلاً عندما يقول الحديث 17: "إِنِّي وَاثْنَيْ عَشَرَ مِنْ وُلْدِي وَأَنْتَ يَا عَلِيُّ زِرُّ الْأَرْضِ يَعْنِي أَوْتَادَهَا!" فإن قصده أن أحد عشر إماماً وابنتي حضرة الزهراء وأنا وأنت (أي في المجموع أربعة عشر نفراً) زِرُّ الْأَرْضِ ولا يريد أن يُبيِّن عدد الأئمة بل يريد أن يُبيِّن أهمية المعصومين!

ونقول:                                                                

1- من الواضح أن هذا التبرير إنما قيل اضطراراً. ولو أن الحديث كان حسب زعمكم بشأن مقام المعصومين فلماذا جاء في كتب الشيخ الصدوق وكتاب «الغيبة» للشيخ الطوسي عدد «أحد عشر»؟! وإذا كان المقصود منه عدد الأئمة فلماذا ذُكر عدد «اثني عشر» في الكافي؟!

2- في الحديث 18 - وسنده نفس سند الحديث 17- قيل: اثني عشر شخصاً من أولادي نُقباء، والنقيب يعني الزعيم والرئيس وكبير القوم ولكن حضرة الزهراء لم تكن زعيمة القوم وكبيرتهم، خاصةً أن النبيّ o لم يُشِر في هذا الحديث إلى نفسه حتى نقول: إن قصده بيان مقام المعصومين! وقد استبعد المَجْلِسِيّ أيضاً هذا الاحتمال.

3- أورد الكُلَيْنِيّ نفسه هذه الأحاديث في باب لا يتسق مع التوجيه والتبرير الذي ذكرتموه، لأنه يريد أن يُعرِّف لنا عدد الأئمة وأسماءهم وأوصافهم واحداً واحداً بالاستشهاد بسائر الأحاديث.

4- لقد فهم علماء من أمثال آية الله الخوئي والعلامة الششتري (التستري) والأستاذ الشيخ هاشم معروف الحسني وكثيرون آخرون من أحاديث الباب 183 هذه ذكرها لثلاثة عشر إماماً.

 

تذكير: اعلم أن العشرين حديثاً التي لا اعتبار لها والتي جمعها الكُلَيْنِيّ المُتَوَفَّى سنة 328 أو 329 هجرية في كتابه هنا كانت أفضل الأحاديث التي وجدها ولو وجد أحاديث أوضح منها وأفضل وأقل عيوباً لما توانى عن ذكرها قطعاً. ولكن بعد الكُلَيْنِيّ تواصل الكذب ووضع الحديث في هذا الموضوع إلى درجة أنه في أواسط القرن الرابع الهجري أورد الشيخ الصدوق (ت  في كتابه «كمال الدين» حوالي 25 حديثاً، وفي أواخر القرن الهجري الرابع أورد صاحب كتاب «كفاية الأثر»([20]) حوالي مئتي حديثاً في التصريح بالنص الإلهي على الأئمة الاثني عشر!! (فتأمَّل جداً).

إضافةً إلى ذلك، وكما أثبت أخونا الفاضل المرحوم «قلمداران» في كتابه القيِّم «شَاهْرَاه اتِّحَاد» [طَرِيق الاتِّحاد]، (ص من 233 إلى 266)، فإن الأئمة وذريَّتهم وأصحابهم من أمثال «أبي حمزة الثمالي» و«أبي جعفر الأحول» و«هشام بن سالم» و«زرارة بن أعين» و«أبي بصير» و«المُفضَّل بن عُمَر» و«محمد بن عبد الله الطيار» و«أحمد البرقي» و«فيض بن مختار» (الباب 128، الحديث 1) و«داود الرَّقِّي» (الباب 129، الحديث 3) وآخرون عديدون لم يكن لهم أي خبر عن هذه النصوص([21]). وإذا كان الأمر كذلك فالسؤال البديهي الذي يطرح نفسه: لو كان لتلك النصوص وجود فكيف لم يسمعها أصحاب الأئمة ولم يكونوا يعلمون عنها شيئاً؟ رغم ذلك أصبح في زماننا الاعتقاد بالإمامة المنصوص عليها من الله من ضروريات المذهب، وذلك اتِّباعاً وتقليداً لعدَّة من الكذَّابين الوضَّاعين، وأصبح كل من يُناقش في هذا الموضوع يُعدُّ ناقص الإيمان والدين!!

لو كان لهذه النصوص أصالةٌ لَعَلِمَ بها أبناء الأئمَّة وأقرباؤهم الذين كان لِكُلٍّ منهم مقام رفيع وكانوا معروفين بالعلم والتقوى، وَلَمَا نَهَضَ بعضهم وقام لأخذ زمام الخلافة بيديه وَلَمَا بايعهم الناس. ونُذكِّر هنا ببعض هؤلاء:

1- جناب «مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ» رحمه الله الذي اعتبره جمعٌ غفيرٌ من المسلمين عُرفوا باسم الكيسانية إمامَ المسلمين وقائدهم.

2- جناب «زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ» -رضوان الله  عليه - الذي بايعه الناس. ولو كانت تلك النصوص موجودة من قَبْل لما بايعه أهل الكوفة الذين جلسوا سنوات عديدة تحت منبر عَلِيٍّ بن أبي طالب (ع).

3- جناب «مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ المُجْتَبَى» عليهم السلام المعروف بالنفس الزكية والذي كان من أكابر أهل البيت وبايعه أهل المدينة، لاسيَّما بنو هاشم والعلويون وأبناء الإمام الصادق u، أي حضرة الكاظم (ع) وأخوه عبد الله الذين كانوا يتعاونون مع محمد النفس الزكية([22]) في ثورته والسيد الكريم جناب «عيسى بن زيد بن علي بن الحسين» الذي ناصر محمد النفس الزكية بكل ما أُوتي من قوة وأيَّده وخدمه.

4- الشهيد الجليل جناب «الحُسَيْنِ بنِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ المُجْتَبَى» - عليهم السلام - المشهور بشهيد فَخّ([23]) الذي اعتبره جميع المُحدِّثين - بما في ذلك الحاج الشيخ عباس القمي في كتابة «منتهى الآمال» - ذا قدر جليل ومكانة عالية وذكروا له فضائل كثيرة. رُوي عن حضرة الجواد (ع) أنه قال: "لَمْ يَكُنْ لَنَا بَعْدَ الْطَّفِّ [أي كربلاء] مَصْرَعٌ أَعْظَمُ مِنْ فَخٍّ"([24]). لقد قام الحسين بن عَلِيٍّ بن الحسن لإحراز منصب الإمامة وزعامة المسلمين وقاتل بني العباس واستُشهد معه عددٌ كبيرٌ من الأشراف العلويين (من ذرية النبيّ وأولاد عَلِيٍّ وفاطمةَ) في فَخّ. فكيف يُمكن لمثل هؤلاء الأجلاء الذين كانوا مُضَحِّين بأنفسهم، أن يثوروا لأجل أخذ زعامة المسلمين بأيديهم إذا كان هناك نصوص سابقة من الله ورسوله على الأئمة الاثني عشر؟!

5- جناب «الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ المَحْض» الذي نال مرتبة الشهادة باستشهاده إلى جانب «الحسين بن عَلِيٍّ بن الحسن» شهيد فخ.

6- جناب «سليمانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ المَحْض» الذي استُشهد أيضاً في فخ.

7- جناب «عليِّ بْنِ محمد بْنِ عَبْدِ اللهِ المَحْض».

8- جناب «إبراهيم بْنِ عَبْدِ اللهِ المَحْض» الذي كان رجلاً عالماً وفاضلاً وثار في البصرة واستُشهد في منطقة «با خمرى».

9- جناب «يحيى بْنِ عَبْدِ اللهِ المَحْض» الذي كان في واقعة الفخ مع جناب «الحسين بن علي» وبعد أن استُشهد الأخير ذهب يحيى إلى جيلان والديلم وثار هناك لإقامة الحكم العادل وبايعه الناس وقويت رئاسته وعلا شأنه واشتد نفوذه مما ألقى الرعب في قلب هارون الرشيد فأرسل إليه هارون رسائل عديدة وأعطاه الأمان وأرسل إليه مئتي ألف دينار. فأدَّى يحيى بن عبد الله ديون «الحسين بن علي بن الحسن» (ع) ولكن في نهاية المطاف نقض هارون عهده معه واحتال عليه وخدعه حتى قتله شهيداً رحمه الله، إذْ قام «أبو البختري وهب بن وهب» بتمزيق رسالة الأمان التي كتبها هارون الرشيد وكانت لدى يحيى، وتخلَّصَ منها وبذلك أصبحت عملية قتل يحيى أسهل عليه. وقد أعطى هارون «أبا البختري» مالاً وفيراً مكافأةً له على هذه الخيانة قيل في أحد الروايات أنه بلغ مليون وستمئة ألف درهم، وجعله قاضياً!!

قيل إن أحد الشعراء قال في ذلك بيتاً يذمّ فيه هارون:

يَا جَاحِــداً في مَسَاويهَا يُكَتِّمُهَا

                                                                        غَدْرُ الرَّشيدِ بِيَحْيَى كَيْفَ يُكْتَتَمُ؟

ويحيى هذا ذاته كَتَبَ - كما جاء في الحديث 19 من الباب 138 من الكافي - رسالةً إلى حضرة الكاظم (ع) قال فيها:

"أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُوصِي نَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ وَبِهَا أُوصِيكَ، فَإِنَّهَا وَصِيَّةُ اللهِ فِي الْأَوَّلِينَ وَوَصِيَّتُهُ فِي الْآخِرِينَ. خَبَّرَنِي مَنْ وَرَدَ عَلَيَّ مِنْ أَعْوَانِ اللهِ عَلَى دِينِهِ وَنَشْرِ طَاعَتِهِ بِمَا كَانَ مِنْ تَحَنُّنِكَ مَعَ خِذْلَانِكَ، وَقَدْ شَاوَرْتُ فِي الدَّعْوَةِ لِلرِّضَا مِنْ‏ آلِ مُحَمَّدٍo) [يعني إلى إمامة شخصٍ من آل محمد يرضى به أكثرية المسلمين]، وَقَدِ احْتَجَبْتَهَا وَاحْتَجَبَهَا أَبُوكَ مِنْ قَبْلِكَ، وَقَدِيماً ادَّعَيْتُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ [أي ليس مقصورا عليكم ومنحصراً بكم]  وَبَسَطْتُمْ آمَالَكُمْ إِلَى مَا لَمْ يُعْطِكُمُ اللهُ فَاسْتَهْوَيْتُمْ وَأَضْلَلْتُمْ! وَأَنَا مُحَذِّرُكَ مَا حَذَّرَكَ اللهُ مِنْ نَفْسِهِ.".

فَكَتَبَ إِلَيْهِ الإمام مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ الكاظم u:

".... أَتَانِي كِتَابُكَ تَذْكُرُ فِيهِ أَنِّي مُدَّعٍ [أي للإمامة] وَأَبِي [أي حضرة الصادق] مِنْ قَبْلُ، وَمَا سَمِعْتَ ذَلِكَ مِنِّي! وَسَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ....".

وينبغي أن نتذكَّر أنه كما أُمر النَّبِيّ الأَكْرَم o بالأمر القرآني القائل: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء/214]. والذي أوجب عليه أن يدعو أقرباءه وعشيرته إلى أصول الشريعة قبل الآخرين، فكذلك الأئمة أيضاً كان عليهم أن يدعوا أقرباءهم وعشيرتهم إلى حقائق الشريعة وأصولها أو على الأقل أن يُخبروهم عنها. فكيف من الممكن لإمام منصوب من عند الله أن لا يُخبر حتى أقرب المُقرَّبين إليه عن إمامته التي نصَّ عليها الله؟ لو كان هناك نصٌّ دينيٌّ سابقٌ في هذا المجال لَمَا أخفاه الإمام وَلَمَا سكت عن إبلاغه. وثانياً: لما بقي جناب يحيى عديم الاطِّلاع عليه ولما أنكر مثل ذلك النص مع كل ذلك الفضل والتقوى والعلم الذي عُرف به.

10- «عبد الله الأفطح» ابن الإمام الصادق u، وابنا حضرة الكاظم (ع): «أحمد بن موسى» و «زيد بن موسى» اللذَيْن قاما لأخذ منصب الإمامة واستلام زعامة الأمة.

11- جناب «محمد بن جعفر الصادق» الذي قام في مكة وبايعه الناس بوصفه خليفة رسول‌الله o، وسمَّوه أمير المؤمنين. وقد أرسل هارون الرشيد إليه حضرة «علي بن موسى الرضا» ناطقاً باسمه لتهدئته ومنعه من الثورة ولكنه لم يقبل اقتراح حضرة الرضا (ع) واستعد للقتال.

12- جناب «أحمد بن عبد بن الله بن إبراهيم بن إسماعيل الدِّيْبَاج بن إبراهيم بن الحسن المجتبى (ع)» الذي ثار في مصر عام 270 هجرية لنيل منصب إمامة الناس، فاستُشهد.

13- «مُحَمَّدُ بن إبراهيم بن إسماعيل الدِّيْبَاجُ» الذي خرج أيام خلافة المأمون، بمعونة أبي السرايا وعلا أمره.

14- «إدريسُ بن عبد الله المحض» الذي كان من أنصار وأعوان «الحسين بن عَلِيٍّ» شهيد فخ وَ فَرَّ بعد شهادته إلى أفريقيا ودعا أهل «فاس» و«طنجة» إلى إمامته، وقبل الناس إمامته وبايعوه وشكَّل حكومةً في تلك البقاع.

من هذا يَتَـبَيَّن أن ادِّعاءَ أصحاب الدكاكين المذهبية الذين قالوا إن المقصود من ثورات الأشراف العلويين - رحمهم الله - دعوة الناس إلى الرضا من آل محمد، أي إلى أحد الأئمة الاثني عشر المعروفين حالياً، ادِّعاء كاذب، إذ من الواضح تماماً أنهم إنما ثاروا ليستلموا زمام الإمامة بأنفسهم وينشروا دين الله ويُحاربوا الظلم لا أنهم كانوا يعتبرون الإمامة حقاً إلهياً منحصراً بأفراد مُعيَّنين.

والأهم من كل ذلك أن الأئمة أنفسهم لم يكن لهم أي علم بتلك النصوص، فكما نعلم عرَّف الإمام الصادق u في بادئ الأمر بابنه إسماعيل على أنه الإمام من بعده، لكن إسماعيل توفي قبل وفاة أبيه! فقال الصادق: بدا لِـلَّهِ. وقد أشار الحديث العاشر في الباب 132 من «الكافي» إلى هذا الموضوع.

وأعلن حضرة الهادي (ع) في بادئ الأمر أن ابنَه «أبا جعفر السيد محمد» هو الإمام من بعده، لكن لما توفي السيد محمد قبل وفاة أبيه قام الإمام الهادي بالتعريف بابنه الحسن على أنه الإمام من بعده. ولم يكن حضرة الكاظم (ع) - كما رأينا في الحديث 14 في الباب 129 - يعلم حتى أواخر عمره مَنْ سيكون الإمام من بعده. في حين أنه لو كان لأولئك الأئمة الأجلاء أي علم بحديث اللوح والأحاديث التي فيها النص على أسماء الاثني عشر إماماً لما قام الصادق ولا الهادي أبداً بالتعريف بإسماعيل أو السيد محمد على أنهما صاحبا منصب الإمامة من بعدهما.

إضافةً إلى ذلك فقد جاء في الحديث 9 من الباب 128 أن الإمام الصادق (ع) قال لـ «فيض بن مختار»: "أَمَا إِنَّهُ لَمْ يُؤْذَنْ لَنَا فِي أَوَّلَ مِنْكَ". يعني أنَّه لم يؤذَن لنا في البداية أن نُعَرِّف الإمام التالي لأحدٍ من الناس.

هذا في حين أنه جاء في حديث اللوح أن حضرة الزهراء - عليها السلام - أرت جابر بن عبد الله لوحاً يحتوي على أسماء اثني عشر إماماً وأن الإمام الباقر (ع) - في مسعى منه لإقناع أخيه جناب «زيد بن علي» (رح) - طلب من جابر أن يُخبر زيداً عما رآه في ذلك اللوح([25]). وفي الحديث الأول من الباب 183 أيضاً في زمن أمير المؤمنين علي u ذكر الخَضِر أسماء الاثني عشر إماماً.

فإن قال قائل لماذا تمَّ وضع هذه الأحاديث؟ فالجواب أنه كانت هناك عدَّة أسباب وعلل لوضع مثل هذه الأحاديث:

أ) لمَّا تعرَّض أولاد عَلِيٍّ (ع) -الذين كانوا أشخاصاً مُتقين وعلماء فضلاء وسادة أجلاء- إلى الظلم والاضطهاد والقتل، انجذبت إليهم قلوب الناس الذين كانوا يكرهون ظلم ملوك بني أمية وبني العبَّاس. وكان أولئك الناس يتمنون زوال حكومة الظلم تلك، وأن تنتقل الخلافة والحكم إلى أيدي أولاد عَلِيٍّ الأطهار أولئك، لعلَّ ذلك يُحسِّن من أوضاع الناس والمجتمع. لذا أخذوا بوضع الأحاديث في حق أولاد عَلِيٍّ (ع) فقبل الناس تلك الأحاديث دون تحقيق وتأمل بسبب الحبِّ والاحترام الذي كان في قلوبهم لتلك الشخصيات الجليلة.

ب) ومن ناحية أخرى، لَمَّا كان أعداء الإسلام الحقودين والمعاندين يرون قوة الإسلام وشوكته المُتصاعدة وتحترق قلوبهم لذلك، ولما كانوا عاجزين عن محاربة المسلمين بشكل علني وعملي، رأوا أن أفضل عمل يُمْكِنُهُم القيامُ به لإيجاد الفرقة والتصارع بين المسلمين ولإبعاد المسلمين عن حكوماتهم أن يضعوا أحاديث تُفيد أن تلك الحكومات حكومات غير شرعية وأن الحكومة الحقَّةَ منحصرةٌ بأفراد آخرين وأن الخلفاء بدَّلوا دين الله وأنه لا بُدَّ من مُعاداة الحُكَّام. مُعظم هذه الأحاديث الموضوعة وُضعت في القرن الهجري الثالث الذي وصلت فيه الدولة الإسلامية إلى أوج قُوَّتها، في حين أن جميع هذه الأحاديث تقريباً لا تتَّفق مع تعاليم القرآن.

وجاءت الأجيال اللاحقة فَقَبِلَتْ هذه الأحاديث وَسَعَتْ في تأويلها بأنواع التأويلات الباردة والتوجيهات الباطلة لتصحيح ما فيها من عيوب ودافعت عن المذهب الذي تبنَّته وقبلت به (نعوذ بالله من العصبية).

إن التعصُّب المذهبي مع الأسف جعل العلماء يُصوِّرون المذاهب التي ليس في كتاب الله أيُّ اسم عنها أو خبر، أنها هي دين الله عينه، وجعلوا أموراً لم يعتبرها الله ورسوله من أركان الإيمان جعلوها من أصول الدين وبدؤوا باختراع مئات المعجزات لإثبات إمامة الأئمة المنصوص عليهم واعتبروا تلك الأكاذيب والأحاديث الموضوعة حُجَّة وأن إنكارها ضلال. وهذا ما جعل بعض الناس من أولي الألباب وذوي الخبرة والتفكير يُسيئون الظن في أصل الإسلام. في حين أن الله تعالى نفى أن يكون هناك بعد الرسل أيُّ حُجَّةٍ من الله (النساء/ 165).

ج) في مثل هذه الأوضاع والأحوال قام جماعةٌ من المحتالين الزنادقة عُبَّاد الدنيا الانتهازيين - ولم يكن عددُهم قليلاً مع الأسف - فوجدوا أن الفرصةَ مناسبةٌ والمناخَ جاهزٌ لوضع أحاديث ونشرها وترويجها وإثبات مقامات عجيبة وغريبة لأئمة الدين وادِّعاء ارتباطهم بهم، ليخدعوا بها العوام الذين لا علم لهم بالقرآن، وليتوصلوا من خلالها إلى الجاه والمال. وقد رأينا نماذج لمثل هؤلاء الأفراد بعد وفاة حضرة الكاظم (ع) وحضرة العسكري. راجعوا الباب 181، فصل «تأمُّلٌ في أحاديث الأبواب السابقة» (ص 852)، والباب 182.



([1]) من المفيد في هذا الموضوع مراجعة كتاب «شاهراه اتِّحاد» [طريق الاتِّحاد] (ص 93 حتى 95).

([2])   الكُلَيْنِيّ، أصول الكافي، ج 2، ص 385، كتاب «الإيمان والكفر» (باب الكفر)، صحيح الكافي، ج 1، ص 120، الحديث 402. وكذلك الحديث الثالث من باب أصناف الناس، ص 382- 383، تدل أيضاً على أنه كان يُجادل الإمام ويتباحث معه ولم يكن يقبل قوله بسهولة. وهذه المسألة جعلت أصحاب الدكاكين المذهبية يُلفِّقون تبريرات مختلفة لحل هذا الموضوع وتبريراتهم مجرد ادّعاءات لا تستند إلى أي دليل.

([3])   راجعوا في هذا الشأن الكتاب القيِّم «شاهراه اتحاد» [طريق الاتحاد] (ص 248 فما بعد).

([4])   الشيخ محمد باقر البهبودي، معرفة الحديث، مركز انتشارات علمى وفرهنگى، ص 94.

([5])   الشيخ محمد باقر البهبودي، معرفة الحديث، ص 109.

([6])   من جملة أحاديث «أَحْمَدِ بْنِ مُحَمَّدٍ بْنِ خَالِدٍ الْبَرْقِيِّ» حديث الباب 169 من الكافي، والحديث الرابع من (باب في صنوف أهل الخلاف) من الجزء الثاني من الكافي (ص 410). وقد ادّعى في الحديث المذكور أن الإمام الباقر أو الصادق -عليهما السلام- قالا: "إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ لَيَكْفُرُونَ بِاللهِ جَهْرَةً وَإِنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَخْبَثُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَخْبَثُ مِنْهُمْ سَبْعِينَ ضِعْفٍ!!".

([7])   الشيخ محمد باقر البهبودي، معرفة الحديث، ص 108 - 109 - 110. (المُتَرْجِمُ)

([8])   الخطابيَّة أتباع أبي الخطاب [محمد بن أبي زينب الأسدي الأجدع] الذين كانوا يعتقدون بإلهية حضرة الصادق وأن أبا الخطاب رسوله!!       

([9])   راجعوا الصفحة 190 من الكتاب الحالي، الحديث رقم 6 (حول الوزغ).             

([10])  الكُلَيْنِيّ، فروع الكافي، باب جامع في الدواب التي لا يؤكل لحمها، ج 6، ص 247، الحديث 16.

([11])  لاحظوا هذه الإشكالات في «شَاهْرَاه اتِّحَاد» [طَرِيق الاتِّحاد]، (ص 182 فما بعد).  

([12])  قارنوا ذلك مع ما ذكرناه في كتاب «شَاهْرَاه اتِّحَاد» [طَرِيق الاتِّحاد]، (ص 178) الحاشية الثالثة.

([13])  للاطلاع على مفاد هذا الحديث راجعوا «شَاهْرَاه اتِّحَاد» [طَرِيق الاتِّحاد]، (ص 227).              

([14])  راجعوا «شَاهْرَاه اتِّحَاد» [طَرِيق الاتِّحاد]، (ص 200)، الحديث السابع.    

([15])  وسائل الشيعة، ج 1، ص 490، الحديث 3. وتنقيح المقال للممقاني، باب اللام، ج 2، ص 45.

([16])  الموضوعات في الآثار والأخبار، ص 254.

([17])  تمَّ التعريف بجميع هؤلاء الرواة في الكتاب الحالي. راجعوا فهرست الرواة في آخر الكتاب.

([18])  تمَّ التعريف بجميع هؤلاء الرواة في الكتاب الحالي. راجعوا فهرست الرواة في آخر الكتاب.

([19])  روى الشيخ الصدوق في كتابيه: «كمال الدين» و «عيون أخبار الرضا» بسنده عَنْ أَبِي السَّفَاتِجِ عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاقِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ وَقُدَّامَهَا لَوْحٌ يَكَادُ ضَوْؤُهُ يَغْشَى الْأَبْصَارَ فِيهِ اثْنَا عَشَرَ اسْماً .... فَعَدَدْتُهَا فَإِذْ هِيَ اثْنَا عَشَرَ فَقُلْتُ: أَسْمَاءُ مَنْ هَؤُلَاءِ قَالَتْ هَذِهِ أَسْمَاءُ الْأَوْصِيَاءِ أَوَّلُهُمُ ابْنُ عَمِّي وَأَحَدَ عَشَرَ مِنْ وُلْدِي آخِرُهُمُ الْقَائِمُ".

([20])  يقصد الشيخ والفقيه: أبو القاسم علي بن محمد بن علي الخزاز الرازي القمي من الرواة عن الصدوق، ومن شيوخ الإمامية في القرن الرابع الهجري. ألف كتاب: «كفاية الأثر في النص على الأئمة الاثني عشر». (المُتَرْجِمُ)

([21])  اكتفينا هنا بذكر بعض الأسماء كنموذج فقط وللمزيد من التفاصيل يُراجَع الباب 129 من الكتاب الحالي.

([22])  للاطلاع على أحوال هؤلاء السادة الأجلاء الكرام من آل البيت وبني هاشم راجعوا كتاب «شَاهْرَاه اتِّحَاد» [طَرِيق الاتِّحاد]، (ص 237 فما بعد).  

([23])  «فَخّ» منطقة تقع على بعد فرسخ من مكة المكرمة.

([24])  المَجْلِسِيّ، بحار الأنوار، ج 48، ص 165.  (المُتَرْجِمُ)

([25])  لقد درسنا هذا الحديث ونقدناه بالتفصيل في الصفحات 1108- 1110 من الكتاب الحالي. وانظروا أيضاً دراسة هذا الحديث في كتاب «شَاهْرَاه اتِّحَاد» [طَرِيق الاتِّحاد]، (ص 167).