54. بَابُ الْبِدَعِ وَالرَّأْيِ وَالْمَقَايِيسِ

يشتمل هذا الباب على 22 حديثاً؛ اعتبر الأستاذ البهبودي الأحاديث: 1، 9، 11، 12، 15 و 16 منها فقط صحيحةً. واعتبر المَجْلِسِيّ خمسة أحاديث منها صحيحةً أو في منزلة الصحيح وهي الأحاديث: 1، 5، 15، 19، و 20.

ß الحديث 1 – كما ذكرنا من قبل لا يمكننا أن نثق بأحاديث رواةٍ من أمثال «مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ» و«الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَشَّاءِ» و«ابْنِ فَضَّالٍ» الذين يروون الخرافات، وأن ننسب رواياتهم إلى أئمة الدين.  إلا أن متن هذا الحديث – على أي حال - لا يخالف القرآن الكريم ولا الوقائع الموجودة([1]).  وبالطبع، نحن نرى أن الشيعة لم يعتنوا بهذا الحديث ولا بسائر الأحاديث الصحيحة التي يشابه مضمونها مضمون هذا الحديث. إن هذه الأحاديث تقول إن الآراء والأحكام الجديدة التي أُدخلت في الإسلام باسم الدين تخالف كتاب الله وتسبّب الفتنة والتفرقة بين المسلمين، ولكن الشيعة أتوا بعشرات البدع في الدين مثل قولهم بوجوب التقليد واتِّباع الظنّ وزيارة قبور أئمة الدين والتكلُّم مع الأموات والتملُّق والتزلُّف إليهم والنياحة ولطم الصدور وضرب الرؤوس بالسيوف، وهم يدَّعون أنهم أتباع أمير المؤمنين علي u ، ولكنهم يعملون بما يخالف هذا الحديث!

ß الحديث 2 – سنده ضعيف و مرفوع، ولكن متنه - في نظرنا - صحيحٌ وموافقٌ للقرآن([2]). وقد كنت منذ أوساط عمري وحتى اليوم أعمل من كل قلبي بهذا الحديث وأرد في كتبي ودروسي البدعَ والخرافات المذهبيةَ وأؤكّد وأصرّ على أن لا تُنسَب الأمور الخرافية إلى الإسلام وتحسَب عليه. ولكن أتباع الكُلَيْنِيّ ومقلديه تركوا هذا الحديث كما جَوَّزَ كثيرٌ من علماء الشيعة -إما بكلامهم أو بسكوتهم في مواجهة البدع والخرافات- كثيراً من الأمور الخاطئة وتركوا العوام يسبحون في الخرافات والبدع!

ß الحديث 3 – سنده ضعيفٌ ومرفوعٌ، ولكن متنه لا بأس به([3]). هذا رغم أن علماءنا تجاهلوا هذا الحديث أيضاً وأساؤوا إلى الإسلام بما أدخلوه فيه من بدع وخرافات. وتجد كثيراً منهم يُعَظِّمُون فلاسفة اليونان ومخترعي العرفان والتصوُّف الذين لوثوا دين الإسلام، ويُجِلُّونهم.

ß الحديث 4 – سنده ضعيفٌ ومرفوعٌ، ولكن متنه الذي يقول: "أَبَى اللهُ لِصَاحِبِ الْبِدْعَةِ بِالتَّوْبَةِ!"، لا يتَّفِقُ مع القرآن في نظرنا. لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء/48]، وقال: ﴿إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر/53].  وبالطَّبع يمكن أن نقول إن معنى الحديث أن الله لا يُوَفِّقُ صاحب البدعة إلى التوبة. رغم أن هذا التأويل بعيد.

ß الحديث 5 – رغم أن رواته أشخاص من أمثال «الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ» وَ«مُعَاوِيَةَ بْنِ وَهْبٍ» الذين يروون الخرافات، إلا أن المَجْلِسِيّ اعتبره صحيحاً!

أما متن الحديث فهو مخالفٌ للواقع أيضاً إذ يقول: "إِنَّ عِنْدَ كُلِّ بِدْعَةٍ تَكُونُ مِنْ بَعْدِي يُكَادُ بِهَا الْإِيمَانُ، وَلِيّاً مِنْ أَهْلِ بَيْتِي مُوَكَّلًا بِهِ يَذُبُّ عَنْهُ يَنْطِقُ بِإِلْهَامٍ مِنَ اللهِ وَيُعْلِنُ الْحَقَّ...".  هذا في حين أنه توجد اليوم مئات البدع والخرافات ويوجد في زمننا مئات المتظاهرين بالعلم والمرشدين ولكن لا يوجد وليٌّ من أهل بيت رسول الله J يَذُبُّ عن الإيمان، وإن أراد أشخاص من أمثال آية الله سنكلجي أو الأستاذ يوسف شعار وآية الله بنابي وآية الله سيد مصطفى الحسيني الطباطبائي أو هذا العبد الفقير أن يبينوا للناس الحقائق فإننا أولاً نجد أنفسنا ضعفاء متعرضين للضغط ولا نجد القدرة على رد كيد الكائدين من المُتَكَسِّبِين بالمذهب. وثانياً لو قلنا كلمة الحق كان علينا أن نتوقع أن نُرْمَى في السجن وأن نتعرَّض إلى هجوم المدافعين عن الخرافات! كما أن هذه الرواية لا تنسجم مع غيبة الإمام.

ß الحديث 6 – لهذا الحديث سندان: سنده الأول – حسب قول المجلسي – ضعيفٌ وسنده الثاني مرفوعٌ. أما متن الحديث فكأنه وصفٌ دقيقٌ لحال الناس في زماننا حيث أصبح القضاة وأشباه العلماء في هذا العصر مغرورين ويدَّعون العلم والفضل ومعرفة الصواب ولكنهم فاقدون لذلك. ولقد شاهدتُ بنفسي عندما كنت في السجن أعمالَ أولئك القضاة والمتلبسين بلباس العلم وأحكامَهم غيرَ الصحيحة، وكم من الدماء أراقوها بغير حق وكم شوهوا صورة الدين في أعين الناس في إيران. إن أكثر شيوخ وعلماء زماننا في نظري –كما جربت ذلك طول السنين الماضية- هم نموذج حي لهذا الحديث. وأذكر في ما يلي ترجمةً لبعض ما جاء في هذا الحديث:

"... إِنَّ مِنْ أَبْغَضِ الْخَلْقِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لَرَجُلَيْنِ رَجُلٌ....... مَشْعُوفٌ بِكَلَامِ بِدْعَةٍ قَدْ لَهِجَ بِالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ فَهُوَ فِتْنَةٌ لِمَنِ افْتَتَنَ بِهِ، ضَالٌّ عَنْ هَدْيِ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ مُضِلٌّ لِمَنِ اقْتَدَى بِهِ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ حَمَّالٌ خَطَايَا غَيْرِهِ، رَهْنٌ بِخَطِيئَتِهِ وَرَجُلٌ قَمَشَ جَهْلًا ... قَدْ سَمَّاهُ أَشْبَاهُ النَّاسِ عَالِماً وَلَمْ يَغْنَ فِيهِ يَوْماً سَالِماً بَكَّرَ فَاسْتَكْثَرَ مَا قَلَّ مِنْهُ خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ [مثل كثير من روايات «الكافي»].......  وَاكْتَنَزَ مِنْ غَيْرِ طَائِلٍ ...... وَإِنْ نَزَلَتْ بِهِ إِحْدَى الْمُبْهَمَاتِ الْمُعْضِلَاتِ هَيَّأَ لَهَا حَشْواً مِنْ رَأْيِهِ [لا يستند بشكل كامل إلى الكتاب والسنَّة القطعيَّة] ثُمَّ قَطَعَ بِهِ، فَهُوَ لَا يَدْرِي أَصَابَ أَمْ أَخْطَأَ،  لَا يَحْسَبُ الْعِلْمَ فِي شَيْ‏ءٍ مِمَّا أَنْكَرَ وَلَا يَرَى أَنَّ وَرَاءَ مَا بَلَغَ فِيهِ مَذْهَباً .......  تَبْكِي مِنْهُ الْمَوَارِيثُ [التي أُكِلَت بغير حقّ] وَتَصْرُخُ مِنْهُ الدِّمَاءُ [التي أُريقَت بغير حقّ] ......... ".

ß الحديث 7 – ضعيفٌ لأن في سنده «أَبَا شَيْبَةَ الْخُرَاسَانِيّ» مجهول الحال، و«الْوَشَّاءَ» و «مُعَلَّى بْنَ مُحَمَّدٍ» الذين يروون الخرافات والأمور المناقضة للعقل. أما متنه فيَنْسِبُ إلى الإمام الصادق u قوله: "... إِنَّ دِينَ اللهِ لَا يُصَابُ بِالْمَقَايِيسِ".  لكن الطريف والمثير أن الشيعة لم يعتنوا بهذا الحديث في العقائد بل أشاعوا كثيراً من العقائد بين الناس اعتماداً على القياس. فمثلاً يقولون إن الشمس رجعت بعد مغربها لأجل حضرة أمير المؤمنين علي u ! بأي دليل؟ قالوا: لأنها رجعت إلى حضرة سليمان (ع)!! ويقولون إن الإمام يستطيع أن يحي الموتى! بأي دليل؟ قالوا لأن حضرة عيسى (ع) كان يحي الموتى!! ويقولون لدى الإمام ولاية تكوينية! بأي دليل؟ بدليل أن «آصف بن برخيا» الذي كان يعلم حرفاً واحداً من حروف الاسم الأعظم السبعين (حسب زعمهم) استطاع أن يأتي بعرش بلقيس ملكة سبأ في طرفة عين ويحضره أمام سليمان (ع). فقاسوا على ذلك وقالوا: إن الإمام الذي يعلم حروف الاسم الأعظم السبعين كلها يمكنه أن يفعل كذا وكذا!!  ليت شعري! أليس هذا عملاً بالقياس؟ وهل يوجد أصلاً اسمٌ يتألَّفُ من سبعين حرفاً؟! إن المُتَكَسِّبِين بالدين الذين يتاجرون بالتفرقة المذهبية يقدمون للناس العقائد الخرافية بمثل هذه القياسات! والعلماء والمراجع ساكتون أيضاً ولا يَذُبُّونَ عن دين الله.  

ß الحديث 8 – مرفوعٌ.  أما متنه الذي قال فيه حضرة باقر العلوم (ع) [وحضرة الصادق (ع)]: "كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلُّ ضَلَالَةٍ سَبِيلُهَا إِلَى النَّارِ". فهو متن ممتاز جداً، ويتَّفق مع الأحاديث الصحيحة الموثوقة. بيد أن مدَّعي اتِّباع أهل البيت لم يعتنوا بمضمون هذا الحديث ونشروا ما أمكنهم من الخرافات بين الناس باسم الدين والمذهب، مثل ضرب الجسم بالسلاسل والنياحة وزيارة القبور و..... (في الحديث 12 من هذا الباب نُقِل هذا المضمون أيضاً عن قول الإمام الصادق (ع) نقلاً منه عن النبي الأكرم J).

ß الحديثان 9 و 13 – راوي الحديثين «عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ القُمِّيُّ» الذي يروي الخرافات والأمور المضادَّة للقرآن والأحاديث الباطلة. وقد سبق أن عرَّفنا به([4]).

وسند الحديث التاسع معلولٌ أيضاً لوجود شخص مجهول الحال فيه يُدعى: «مُحَمَّدُ بْنُ حَكِيمٍ».  والحديث 13 يحتوي على الأقل على ثلاثة عيوب تجعله ساقطاً من الاعتبار: الأول: وجود «سَمَاعَةَ بْنِ مِهْرَانَ» واقفيِّ المذهب في سنده.

77الثاني: وجود «مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ اليقطيني» الذي ضعَّفه الشيخ الطوسي واعتبره من الغلاة. كما ضعَّفه الشيخ الصدوق وأستاذه ابن الوليد والسيد ابن طاووس، وهو من رواة الرواية الخامسة من الباب 105 في الكافي([5]). وروى روايةً حول تحريف القرآن أيضاً([6]). الثالث: وجود 78«يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ» الذي كان موضعاً للطعن منْ قِبَلِ علماء قم حيث رفضوا رواياته لأنه لم يكن يشترط السماع في نقل الحديث!!

أما متن الحديثين فلا يتفق مع الحقائق التاريخية ولا مع سائر أخبار أئمة أهل البيت الأجلاء الكرام عليهم السلام، لأن الحديثين يدَّعيان أن الإمام الصادق u لعن أبا حنيفة، في حين أن أمير المؤمنين عليَّاً u لم يكن يرضى من جنوده حتى أن يلعنوا معاوية ويسبُّوه، وقال: "إِنِّي أَكْرَهُ لَكُمْ أَنْ تَكُونُوا سَبَّابِينَ ولَكِنَّكُمْ لَوْ ..... قُلْتُمْ مَكَانَ سَبِّكُمْ إِيَّاهُمْ: اللَّهُمَّ احْقِنْ دِمَاءَنَا ودِمَاءَهُمْ وأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا وبَيْنِهِمْ ....." (نهج البلاغة، الخطبة 206).

79لقد كان أبو حنيفة من أنصار أهل البيت ولم يكن بحال من الأحوال أسوء من معاوية وأنصاره فكيف يمكن لحفيدٍ من أولاد عليٍّ u أن يلعنه! إن العلماء بالتاريخ يعلمون أنه لم تكن هناك أيّةُ خصومةٍ بين أئمة أهل البيت وأئمة أهل السنة كمالك وأبي حنيفة والشافعي....، بل كما قلنا في حاشيتنا على الصفحة 164 من كتاب «شاهراه اتحاد» [طريق الاتِّحاد] كان أئمة مذاهب أهل السنة من محبي أئمة أهل البيت وأنصارهم، ومن المقطوع به أن الإمام الصادق u لا يلعن –على أقل تقدير- محبي أسرته ومؤيديها.

لقد وضع أعداء الإسلام أمثال هذه الروايات عن قصد بهدف بث الفرقة بين المسلمين وإضعاف شوكتهم. أو وضعها الأصدقاء الجاهلون الذين هم أسوأ من الأعداء ظناً منهم أنهم بذلك ينصرون أئمة أهل البيت الذين كان اتباعهم في تلك الأزمنة أقل من أتباع المذهب الحنفي أو الشافعي! وإلا فإن سلوك أئمة أهل البيت تجاه أئمة أهل السنة كان سلوكاً حسناً وممتازاً.

80ونذكر هنا نموذجاً للسلوك الطيِّب لأئمة أهل البيت مع أئمة أهل السنة نقلاً عن الكتاب الشريف لأخينا العزيز جداً السيد «مصطفى الحسيني الطباطبائي»: «راهي به سوي وحدت اسلامي» [الطريق نحو الوحدة الإسلامية] إذ قال فيه:

"فلقد كان سلوك أئمة أهل البيت عليهم السلام مع فقهاء أهل السنة والجماعة و عامتهم، قائماً على المودة وحسن العشرة وإخلاص النصيحة، وكنموذج على ذلك ننقل ما أورده المحدث الشيخ عباس القمي في كتابه: "الأنوار البهية في تواريخ الحجج الإلهية" (ص 75، طبع مشهد) إذْ قال:

«عن مالك بن أنس فقيه أهل المدينة، قال: كنت أدخل على الصادق جعفر بن محمد (ع)، فيقدِّم لي مخدَّةً ويعرف لي قدراً، ويقول: يا مالك! إني أحبك، فكنتُ أُسَرُّ بذلك، و أحمد الله عليه.». ". انتهى.

ß الحديث 10 – مرفوعٌ حسب قول الكُلَيْنِيّ نفسه. وجاء في آخر الحديث: "وَمَنْ تَرَكَ أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّهِ o ضَلَّ وَمَنْ تَرَكَ كِتَابَ اللهِ وَقَوْلَ نَبِيِّهِ كَفَرَ ".

إذا عرفنا ذلك فيجب أن نرى: ألم يترك رواة الكُلَيْنِيّ الذين جمعوا كل هذه الروايات المناقضة للقرآن، كتاب الله جانباً؟! ألا يُعَدُّ القائلون بأن الإمام وحده يفهم القرآن وأنه لا بد من فهم كتاب الله بواسطة الأخبار وبواسطة تفسير الإمام له وإلا فإن القرآن وحده غير قابل للفهم، والذين يقولون بشكل غير مباشر إن القرآن حُرِّفَ وإن إحدى عشر ألف آية قد تم إسقاطها من القرآن، أعداءً للقرآن أم لا؟! ألم يترك أمثال هؤلاء القرآن الكريم بكلامهم ذاك؟ قسماً بالله إن كلامهم هذا هو التَّرْكُ للقرآن بعينه، وتركٌ لقول رسول الله J وأهل بيته.

ß الحديث 11 – سنده ساقطٌ من الاعتبار في نظرنا لوجود «الْوَشَّاء» راوي الخرافات فيه، و لوجود «مُثَنًّى الْحَنَّاطِ» المجهول فيه أيضاً.

ß الحديث 12 – مجهولٌ ويُقال في متنه ما قلناه في متن الحديث رقم 8 في هذا الباب فليراجع هناك.

ß الحديث 14 –  مجهولٌ لأن راويه «أَبا شَيْبَةَ» غير معروف.

ß الحديث 15  – مجهولٌ.

ß الحديث 16 – سنده معلولٌ وساقطٌ من الاعتبار بسبب وجود فاسق فيه مثل «عُثْمَانِ بْنِ عِيسَى» الذي سبق أن عرَّفنا به([7]).  

ß الحديث 17 – ضعيفٌ طبقاً لقول المجلسيّ. أحد رواته «هَارُونُ بْنُ مُسْلِمٍ» كان يعتقد بالجبر والتشبيه خلافاً لمذهب الشيعة. وروى عَنْ «مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ» الذي كان بترياً وغير موثوق. وقد ذكر «ابن داود»‏ كلا الراويين في كتابه الرجالي في عداد المجروحين والمجهولين. أما متن الحديث فموجَّهٌ إلى علماء زماننا الذين يفتون الناس برأيهم دون دليل شرعي، كفتواهم بمواصلة الحرب دون مستند شرعي أو حكمهم بقتل الناس دون محاكمة شرعية وهكذا...

يقول الإمام في هذا الحديث: "مَنْ أَفْتَى النَّاسَ بِرَأْيِهِ فَقَدْ دَانَ اللهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ وَمَنْ دَانَ اللهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فَقَدْ ضَادَّ اللهَ حَيْثُ أَحَلَّ وَحَرَّمَ فِيمَا لَا يَعْلَمُ".

ß الحديث 18 – ضعيفٌ لأن «الْحُسَيْنَ بْنَ مَيَّاحٍ» من الغلاة وأبوه مجهول  أيضاً. ومتن الحديث يتعارض مع القرآن أيضاً لأن القرآن بيَّن لنا أنّ الله خلق الإنسان من طين ثم من نطفة لكن هذا الحديث يدّعي أن الإمام قال: "إنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ جَوْهَرٍ أَكْثَرَ نُوراً وَضِيَاءً مِنَ النَّارِ !!" وأقول: إن الرواية التي يرويها غلاة لن تكون أفضل من هذا، وواضح أن الراوي يغلو في حق آدم.

ß الحديث 19 – سنده ساقط من الاعتبار لوجود «مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ» فيه، وقد سبق أن عرَّفنا به في شرحنا للحديث رقم 13. أما متن الحديث فيتَّفق تماماً مع تعاليم الإسلام. وفي جملته الأخيرة يقول حضرة عليٍّ (ع): "مَا أَحَدٌ ابْتَدَعَ بِدْعَةً إِلَّا تَرَكَ بِهَا سُنَّةً". وقد قال الإمام عليٌّ (ع) ما يشبه هذا أيضاً في نهج البلاغة الخطبة 145 إذ قال: "وَمَا أُحْدِثَتْ بِدْعَةٌ إِلا تُرِكَ بِهَا سُنَّةٌ فَاتَّقُوا الْبِدَعَ والْزَمُوا الْمَهْيَعَ([8])". إن هذا الكلام وصفٌ لحال مدّعي اتِّباع ذلك الإمام الجليل الذين هم في الواقع أعداؤه لأنهم غارقون في البدع، ولا يلتزمون بسنن الشرع كما يجب. فعلى سبيل المثال يهتمون اهتماماً بالغاً بدعاء «الندبة» المليء بالعبارات الشركية لكنهم لا يهتمون بفريضة «الزكاة»، وهكذا...

ß الحديث 20 – سنده ساقطٌ من الاعتبار لوجود «أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْعَقِيلِيِّ» فيه وهو مجهولٌ حسب قول الممقاني، وأيضاً لوجود «عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللهِ الْقُرَشِيِّ» فيه وهو شخص مجهول. ورغم ذلك اعتبر المَجْلِسِيُّ مثل هذا الحديث صحيحاً؟!! ومتن الحديث لا ينسجم مع متن الحديث رقم 18 في هذا الباب بل يتعارض معه، لأن الإمام الصادق في ذلك الحديث قارن بين جوهر المادة التي خُلِق منها آدم وجوهر المادة التي خُلِق منها إبليس، أما هنا فقارن بين نورانية آدم التي هي روحه الإنسانية وروح إبليس النارية. كما أن الدليل الذي ذكره للنهي عن القياس ليس تاماً. لأن أبا حنيفة كان يمكنه القول: ألا تجب عبادة الله، لأن إبليس كان يعبد الله المتعال قبل الإنسان!

ß الحديث 21 – حديثٌ مرسلٌ. كما أن وجود «محمد بن عيسى» في سنده – والذي عرَّفنا به في شرحنا للحديث رقم 13 في هذا الباب – سببٌ لضعف الحديث.

ß الحديث 22 – حديثٌ مرسلٌ بإقرار الكُلَيْنِيّ. لكن متنه ممتازٌ جداً ويتوافق بشكل كامل مع تعاليم الشرع الأنور. يقول الإمام الباقر في هذا الحديث: "لَا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيجَةً فَلَا تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ فَإِنَّ كُلَّ سَبَبٍ وَنَسَبٍ وَقَرَابَةٍ وَوَلِيجَةٍ وَبِدْعَةٍ وَشُبْهَةٍ مُنْقَطِعٌ إِلَّا مَا أَثْبَتَهُ الْقُرْآنُ".



([1])   متن الحديث: "عَنْ الإمام الباقر (ع) قَالَ: خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع) النَّاسَ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّمَا بَدْءُ وُقُوعِ الْفِتَنِ أَهْوَاءٌ تُتَّبَعُ وَأَحْكَامٌ تُبْتَدَعُ، يُخَالَفُ فِيهَا كِتَابُ اللهِ يَتَوَلَّى فِيهَا رِجَالٌ رِجَالًا، فَلَوْ أَنَّ الْبَاطِلَ خَلَصَ لَمْ يَخْفَ عَلَى ذِي حِجًى وَلَوْ أَنَّ الْحَقَّ خَلَصَ لَمْ يَكُنِ اخْتِلَافٌ وَلَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ وَمِنْ هَذَا ضِغْثٌ فَيُمْزَجَانِ فَيَجِيئَانِ مَعاً فَهُنَالِكَ اسْتَحْوَذَ الشَّيْطَانُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ وَنَجَا الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللهِ الْحُسْنَى".  (المُتَرْجِمُ)

([2]) متن الحديث: "إِذَا ظَهَرَتِ الْبِدَعُ فِي أُمَّتِي فَلْيُظْهِرِ الْعَالِمُ عِلْمَهُ فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ".

([3])   متن الحديث: "مَنْ أَتَى ذَا بِدْعَةٍ فَعَظَّمَهُ فَإِنَّمَا يَسْعَى فِي هَدْمِ الْإِسْلَامِ".  

([4])   راجعوا الصفحة  106 فما بعد و الصفحة 156 من الكتاب الحاضر.

([5])   أوردنا هذه الرواية في الصفحة 113 من الكتاب الحاضر.

([6])   يُراجَع كتاب قرب الإسناد، طبع النجف، ص 12.

([7]) راجعوا الصفحة 196 من هذا الكتاب.

([8])   الْمَهْيَعَ من الطُّرُق: البَـيِّن. (المُتَرْجِمُ)